0
شكلت وعلى الدوام آفة الهذر المدرسي منعرجا خطيرا في مسار المنظومة التربوية ببلادنا وتتعدد مسبباتها بين ماهو مادي وبشري كالنقص في البنايات المدرسية والأطر التدريسية ويبقى العالم القروي الأكثر استهدافا من هذه الآفة التي تزداد انتشارا واستفحالا وتتسع رقعتها يوما بعد يوم، رغم المحاولات والمبادرات التي اتخذت بخصوص  هذا الجانب من طرف الجهات المعنية، إذ تبقى جل التدخلات في معظمها محتشمة وغير كافية لكونها تعتمد على حلول ترقيعية ليس بوسعها وضع حد لهذه المعضلة التي أنخرت جسد المنظومة التربوية بالمغرب التي تسير نحو السكتة القلبية ما لم تتكاثف جهود الجميع كل حسب مكانته  وموقعه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
ولم يقتصر الهدر المدرسي على تلاميذ ساكنة العالم القروي فحسب، فالعملية شملت أيضا بعض ساكنة المدن الصغيرة، وهنا أقف عند  مدينة السعيدية المشهورة بهدوئها وسكونها وشاطئها الجميل، تعاني ساكنتها من غياب ثانوية تأهيلية تضم وتحتضن أبنائها وتحميهم من شبح الانقطاع الذي  يجعل  قطار الحياة المدرسية  يتوقف عند محطة الطور الإعدادي، وتبقى الفتاة الضحية  الأولى من هذا الانقطاع الاضطراري وإن حصلت على معدل جيد وتحدوها رغبة أكيدة في التحصيل والتعليم، معضلة دفعت بالآباء رفقة أبنائهم وبمساندة هيئات مدنية لخوض معارك وأشكال نضالية للمطالبة  بخلق وإحداث نواة للتعليم الثانوي التأهيلي داخل ثانوية أنس بن مالك الإعدادية التابعة لنيابة بركان، لتجنب تلاميذ المدينة عناء التنقل اليومي نحو مدينة بركان أو أحفير إذ يضطرون لقطع مسافة تقارب حوالي 50 كيلومترا ذهابا وإيابا، وما تتطلبه العملية من مصاريف إضافية تثقل كاهل الآباء ولا سيما الأسر ذات الدخل المحدود، ولم يتمكن أبنائهم من الحصول على مكان لهم في الداخلية، وإن حالفه الحظ أحدهم وحصل على مكان له يعفيه عناء التنقل، وإن عاكسه حظه وكان مآله الإخفاق والفشل في آخر الموسم الدراسي فمصيره إفراغ الإيواء بعدما يصير رصيده نصف منحة يسمح له فقط بالتغذية.
مما يصعب مأمورية ساكنة مدينة السعيدية البالغ عددها حوالي 1000 نسمة والتي تعتمد في عيشها على عائدات  موسم الاصطياف الذي يستقطب أكثر من مليون زائ، في غياب مشاريع تنموية يمكنها أن تمتص شبح البطالة المتفشية في وسط الفئة  النشيطة التي تدخل في عطالة وراحة مجرد انتهاء موسم الصيف، حيث تتحول المدينة لشبح مخيف وملجأ للكلاب الضالة والقطط، ولم يقف المشكل عند العامل المادي فحسب، من الممكن تجاوز هذا المعطى والعمل كل ما في وسعنا في سبيل تعليم أبنائنا يقول أحد الفاعلين الجمعوين بالجوهرة الزرقاء، المعضلة تكمن أيضا في نقص وسائل النقل ، وإن كانت موجودة فهي لا تف بالغرض وما قد يترتب عن ذلك من نتائج سلبية على مستوى المردودية، من جراء  التأخير الذي يساهم بشكل واضح وملموس في ضياع وقت المتمدرس، إذ لا يعقل أن يقطع تلميذ أو تلميذة مسافة تفوق 50 كيلومترا بشكل يومي وطيلة الموسم الدراسي وفي ظروف نقلصعبة أيضا، وفي سؤالنا عن إمكانية توفير نقل خاص للتلاميذ بشراكة مع جهات أخرى أشار متحدثنا لقد تم وضع مجموعة من التصورات والأفكار التي لم  يتم بلورتها على أرض الواقع الذي بقي على حاله،و أرغم العديد من الآباء عن منع أبنائهم عن تتمة دراستهم التي غالبا ما تتوقف في  الطور الإعدادي في مدينة السعيدية، وتسجل أكبر نسبة الانقطاع في صفوف الفتيات.

إرسال تعليق

 
Top