0

بقلم المهندس عبد الصمد الحضري



يحدث أن تجالس أحد أصدقائك أو معارفك تتجاذبان أطراف الحديث...فوق الطاولة كأسان من القهوة يترنح فوقهما البخارُ صاعدا بدلال تفوح منه رائحة البن...و إلى جانب كأس الصديق أيضا، هاتفُه الذكي والضخم (مع أني كنت أظن أن البطنة تذهب الفطنة) يتربع بجلال وهيبة فوق الطاولة...في غمرة الحديث والمسامرة، يشرد الصديق بين الفينة والأخرى وهو يداعب شاشة الهاتف بلمساته الحانية...يبتسم أحيانا دون أن تعرف سبب ابتسامته، وأحيانا أخرى تقول شيئا، فتعلو محَيَّاه ابتسامة متهالكة تشي بأنه لم يستوعب شيئا مما تيسر له سماعه منك، فلا ينقذه من ورطته سوى قاموس الكلمات والأجوبة المتعددة الاستعمال..يرتشف قهوته، يرمقك بنظرات تخلَّى عنها التركيز كما يتخلى كل نذل عن امرأة أصاب منها وَطَره..تحس بأن أواصر الألفة والحوار تتهاوى كقلاع ثغر هاجمها العدو...يبرد دفئ الجلسة كما بردت القهوة..أصبح طعمها غير مغرٍ بالاحتساء، كما لم يعد الحديث مغريا بالمواصلة...

إنها عمليات السرقة الموصوفة التي تقودها التكنلوجيا الحديثة...إنها أبشع أنواع السرقة، لأنها تسرق الإنسان من واقعه، تستلبه من سياق عيشه إلى عوالمَ وهمية واستئناس بالآلة يورثه وحشةً بينه وبين بني جلدته...
يدخل الهاتف الذكي أو الآيباد إلى البيت، فيفرق الجماعات ويهدم اللذات فيما دونه...يتسلل الشرود إلى مائدة الطعام، فيختزل اجتماع الأفراد في اجتماع الأجساد، وتتفرق العقول في استحضار الغائب بغيابها عن الحاضر...يصرع الانطواء التفاعل..يشنق الصمتُ الحوار..وكذا الشأن، أنَّما اندَسَّ الجهاز، إلى غرفة النوم، إلى حجرة الدرس، إلى مكتب العمل أو إلى جلسات الخلّان...

إنها معركة جديدة تخسرها في حربك ضد الشيء و ضد الاستهلاك، إنه مرة أخرى ذهاب في طريق لم تختره...إنه الإنسان هائمٌ بحثا عن أسباب سعادته التي قلما لا تحمل بين ثناياها أسباب شقائه...والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح قبل امتلاك الهاتف الذكي، هل أنت تحتاجه فعلا ؟ هل سيعينك في تقريب بعيد أو تيسير مشقة ؟...إن أفضل المنتجات ولا شك هي تلك التي تلبي الحاجيات، وأسوأها ما يخلق لك حاجيات جديدة ستسعى إلى تلبيتها وتكون على حساب حاجياتك الأساسية أو المقدسة...

إن جل من يستعملون الهواتف الذكية لا يستغلون حتى عُشرا من الإمكانات التي زًوِّدت بها، ويستخدمونها فقط في التواصل الكمالي وَ وُلوج الشبكات الاجتماعية واللهو واللعب...أي في كل سُبل وأد الوقت والعمل الجاد..

نحن هنا لسنا بصدد مصادمة روح العصر أو مقاومة التغيير، وسأكون أحمق إن طلبت منك ألا تشتري هاتفا ذكيا..ولكني أدعوك فقط أن تشتريه لا أن يشتريك..أن تستعمله لا أن يستعملك..أن تكونا قائدا له لا مقودا به..ألا تسمح له بأن يدمر وشائج القرب و أواصر الدفئ بينك وبين من تحب...أن توجهه ليخدم مصالحك لا أن تَصلُحَ لِخَدَماته..ألا تسمح له بأن يجرفك في موجة الآني والوهمي والسطحي..أن تكون معه فاعلا لا مجرد منفعل أو مفعول به...ببساطة ألا تكون أقل ذكاء منه..

إرسال تعليق

 
Top