0
مكناس : ادريس العولة
 
ارتبط المغاربة وعلى مر العصور ارتباطا وطيدا بأضرحة الأولياء الصالحين والزوايا الدينية من أجل التبرك والتعبد وجعلها كوسيلة للتقرب من الله تعالى، وكذا بغاية الترويح عن النفس بعد عام كامل من العناء والتعب داخل الحقول، حيث صاروا يقيمون المواسم والحفلات عند نهاية كل موسم فلاحي، وتحولت  الأضرحة والزوايا إلى  مزار ومحج سنوي للقبائل التي كانت تستغل هذه الفرص لتنظيم مسابقات في الفروسية التقليدية فيما بينها إضافة إلى بعض الأعمال الاجتماعية الأخرى كعملية ختان الأطفال والزواج وغيرها من العادات والتقاليد الأخرى التي بدأت تندثر وتنمحي خلال السنوات الأخيرة ، كما شكلت إقامة هذه المواسم وعلى الدوام محطة تجارية مهمة من خلال عرض العديد من البضائع والسلع التي كانت يحتاج إليها زوار هذه الأمكنة ، التي لم يقتصر دورها على ما هو ديني واقتصادي فحسب بل تحولت خلال تاريخ ما  إلى قلاع لمحاربة الاستعمار الفرنسي الغاشم .

الطريق نحو ضريح سيدي علي بنحمدوش  

تبدو  محطة سيارات الأجرة الكبيرة بمدينة مكناس، في ذلك الزوال  غاصة بالناس الراغبين في التوجه نحو ضريح الولي الصالح سيدي علي بنحمدوش للمشاركة في اليوم الأخير من الاحتفالات، فرصة استغلها أصحاب “الطاكسيات” الذين عمدوا إلى مضاعفة الثمن المعهود، وما أن تقف سيارة أجرة في المكان حتى يشرع الناس في الجري والركض وراءها لعلهم يظفرون بمقعد، لا يناقشون الثمن فهمهم الوحيد الوصول إلى مقصودهم،  فهم يعرفون جيدا أن مثل هذه المناسبات  تشهد وسائل النقل زيادات مهولة ، سارت سيارة الأجرة تطوي المسافات، يبدو السائق في عجل من أمره يزيد في السرعة كلما أتيحت له الفرصة بذلك لكونه كان يدرك  أن حركة السير ستكون كثيفة وقد تتعطل للحظات في المنعرج المؤدي إلى جبل زرهون أين يوجد ضريح سيدي علي بن حمدوش المتوفي سنة 1135 هجرية، وأحد كبار مشايخ الجذبة بالمغرب حيث أخذ وورث هذه الحكمة  عن الولي الصالح سيدي محمد الملقب بالحفيان، عن والده الولي الشهير بسيدي محمد فتحان المدعو بأبي عبيد الشرقي دفين أبي الجعد.

هدية الملك للشرفاء الحمدوشيين

مباشرة بعد الانتهاء بالاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، بضريح “الهادي بنعيسى” الزعيم الروحي للطائفة العيساوية دفين مدينة مكناس أو “الشيخ الكامل” كما يحلو لمريديه وأتباعه تسميته، تشد الرحال نحو جبال زرهون حوالي20 كيلومترشمال العاصمة الإسماعيلية  أين يوجد ضريح الولي الصالح سيدي علي بنحمدوش، وسيدي أحمد الدغوغي وللاعائشة الحمدوشية “مولات المرجة” حيث تستمر الاحتفالات على مدى أسبوع كامل ليلا ونهارا وتتحول هذه القرية الهادئة لفضاء شاسع للمتناقضات ، ولا تنتهي الاحتفالات إلا في  اليوم السابع بعد عيد المولد النبوي الشريف بموكب كبير يشارك فيه شرفاء الطريقة الحمدوشية الذين يحلون من كل صوب وحدب ومن مختلف المناطق المغربية، نساء ورجالا شيبا وشبابا لزف الهدية الممنوحة من طرف الملك لضريح سيدي علي بنحمدوش وهي عبارة عن ثور كبير، خلق متاعب كبيرة  للذين كانوا يتولون مهمة سياقته نحو مذبح الضريح، فرغم  ربط حوافره الأربع بحبل متين وإغماض عينيه بقطعة قماش سميكة حجبت نوره، كاد الثور وفي عدة أحيان أن يفك الرباط وما كان يترتب عن ذلك من خوف ورعب في صفوف الزوار الذين كانوا يتابعون موكب الطائفة الحمدوشية، وخصوصا أن الزقاق المؤدي إلى الضريح جد ضيق وليس بوسعه استيعاب ذلك الكم الهائل من الناس المشاركين في الموكب الذي جند له عددا كبيرا من رجال الدرك والأمن الوطني وعناصر من القوات المساعدة ورجال الوقاية المدنية ، إضافة إلى كم هائل من الشباب كانوا يترصدون ويمنعون كل من يرغب في تصوير الموكب سواء بالهواتف النقالة أو آلات التصوير حيث عاينت “صحيفة الناس” شباب يرغمون زوارا على محو ما التقطوه من صور وإلا ستنزع منهم آلياتهم، ولم تقتصر الهدية الملكية على ثور كبير فقط بل خصص القصر الملكي أيضا وكعادته مجموعة من الأغطية والأفرشة الجديدة كهدية لضريح سيدي علي بنحمدوش، إضافة إلى مبالغ مالية لم يرغب متحدثنا في الكشف عن قيمتها مكتفيا أن الشرفاء تلقوا تعليمات صارمة بخصوص إعطاء أي تصريح أو توضيح للصحافة خوفا من تحريف وتأويل كلامهم حسب تعبيرهم.
 نغمات الموسيقى الحمدوشية تتعالى أصواتها ، أجساد متماسكة تتمايل بهدوء تارة يمينا وتارة نحو اليسار،رؤوس تنحني نحو الأرض وترفع نحو السماء، الرجال يصلون على النبي النسوة يزغردن، بعضهن شعرهن عار يحجب رأيتهن، انغمسن في الجذبة والحضرة  في تناغم تام  مع دقات الطبول والبنادر التي علت عليها نغمات “الغيطة ” التي تخترق آذانهن وتدفعهن للدخول في  عالم خاص بهن ، أين تغيب وتهيم العقول في عالم الروحانيات ويستمر الحال إلى موعد آذان العشاء حينما تصل الهدية للضريح وتتفرق السبل.

خيام بلاستيكية متناثرة في الجبال وبخور تتصاعد أدخنتها في السماء على نغمات الموسيقى الحمدوشية
 
الأجواء باردة في ذلك المساء أضواء خافتة تنبعث من خيام بلاستيكية،أدخنة  بخور “الجاوي” و”الصلبان ” تتطاير في السماء تمتزج بمياه الأمطار التي كانت تتساقط تارة وتتوقف تارة، الأوحال والمستنقعات تحاصر المكان  تدفع الزائر للتهرب خوفا من  الإيقاع فيها، لكنه قد لا يفلت في أحيان عديدة في التعثر بحبال وأوتاد الخيام التي نصبت بشكل عشوائي، ضجيج المحركات المولدة للكهرباء يكسر ليل القرية، نغمات “الغيطة” تطاردك أينما ارتحلت وتجولت بين الخيام، أدخنة البخور تتصاعد سيدة في عقدها الثالث تلف عنقها بمنديل  ترغب في شنق نفسها نساء أخريات يتدخلن ويمنعنها من ذلك حينها تفهم الفرقة نوع الموسيقى التي ترغب فيها يطلق عليها اسم “سيدي جياف” تصرخ بصوت عال تتلفظ بعبارات غير معروفة، تدخل في نوبة من الحضرة والجذبة، ينتهي المقطع الموسيقي ترتمي المرأة في الأرض تنام قليلا تجتمع أنفاسها ، تنهض تخرج حافظة نقودها من صدرها تناول الفرقة ورقة من فئة 200 درهم، يمسكها قائد الفرقة من يدها يدعو لها يمرر يده على رأسها، يشرع في جمع ما يجود به الحضور من أموال في طبق من حلفاء، يضع المحصول كله في كيس من ثوب، بإشارة من المقدم شرع أحد رجال الفرقة بترديد موال، بصوت مبحوح نساء يجهشن بالبكاء، رجل في عقده الخامس، يحبو كالطفل الصغير يتجه نحو عازف الناي يضع أذنه قربه يتمتم ثم ينهض، يقفز إلى الأعلى يطلب سكينا، يفتحه يلحسه بلسانه فجأة يتغير إيقاع الموسيقى، تتهاوى ضربات السكين على رأس الرجل تبدأ دماؤه تفور يتحول لون عباءته الأبيض  إلى أحمر قاتم، تتقدم منه فتاة تبدو ابنته تنزع منه السكين تشرع في مسح دمائه تضمد جراحه تتوقف الموسيقى يخيم الهدوء والسكينة على المكان “المقدم” ينطلق وكعادته في دورة أخرى يستجدي  الحضور من أجل الجود عليه بما تيسرمن مال وهكذا دواليك حتى ساعات متأخرة من الليل.

للاعائشة الحمدوشية “مولات المرجة” قرابين وذبائح لجلب السعد وطرد النحس 

لا تكتمل الزيارة للولي الصالح إلاّ بالمرور عبر أربعة مراحل أولها زيارة سيدي أحمد الدغوغي أحد تلامذة سيدي علي  بنحمدوش للتبرك،  ثم على الزائر “ة” أن يعرج على محكمة الجن المتواجدة حسب المعتقدات داخل ضريح رائد الجذبة بالمغرب سيدي علي بنحمدوش، ثم النزول إلى الحفرة أين تقبع للاعائشة الحمدوشية، ثم المرحلة الرابعة والأخيرة حينما يلجأ الزائرات إلى العوم داخل بيوت تنبع منها سبع عيون لجلب السعد وطرد النحس بعدما يتخلصن من ملابسهن الداخلية، ورميها  في إحدى الشعاب غير بعيد عن ضريح للاعائشة ومن تعذر عليها الاغتسال نظرا لبرودة ألأحوال الجوية تكتفي فقط بالوضوء الصغير.
وتنطلق الزيارة منذ الساعات الأولى من الصباح وتستمر إلى ساعة متأخرة من الليل، حيث تصادفك في الزقاق الضيق المؤدي إلى ضريح للاعائشة فرق “كناوة” و”احمادشة” وهي تسوق هدية الزوار وتكون عبارة عن شاة أو معزة وقد تكون بقرة بالنسبة لميسوري الحال، أو دجاجة أو ديك رومي بالنسبة للفقراء، إضافة إلى طبق مصنوع من الحلفاء توجد به حناء وشموع حليب وسكر، ماء الزهر وأنواع أخرى من البخور، تدخل الشاة إلى مذبح متسخ تنبعث منه روائح كريهة تزكم الأنوف ، فيما يوضع طبق الحلفاء في بيت خاص يتم عزل كل مادة على حدا من طرف عدة أشخاص، حيث يتولى رئيسهم إعادة الطبق لصاحبته بعدما استولى على ما كان يحتويه باستثناء الشموع وقليل من الحناء وقنينة ماء الزهر حيث يأمر الزائرة بإشعال الشموع في الضريح والشرب من قارورة ماء الزهر ورش ما تبقى منها بجنب الضريح،  فيما يحتفظ بباقي المواد الغذائية الأخرى التي يتم إخراجها من الباب الخلفي وإعادة بيعها للمحلات التجارية المنتشرة بشكل مكثف هناك، وما أن تنتهي الزائرة من طقوسها حتى تعرج على المكان لتطلب “الباروك” وهو عبارة عن “خبزة”.
“  ىسامية” سيدة شابة تجاوزت عقدها الرابع بقليل تبدو جميلة وأنيقة تشتغل كموظفة في إحدى الأبناك بمدينة تطوان، تجر بين يديها ابنتها البالغة من العمر حوالي عشر سنوات، فيما يتولى زوجها الخمسيني سياقة جدي على نغمات فرقة”كناوة” ،  لقد تعودت منذ أن كنت طفلة صغيرة  على زيارة الولي الصالح رفقة والدتي رحمها الله التي أوصتني قبل وفاتها بزيارة للاعائشة حيث أصبح الأمر بالنسبة لي عادة مألوفة وأصبح تقديم الهدية للشريفة للاعائشة سنة ولا يمكني أن أتخلى عنها أبدا في بداية الأمر كانت الغاية من الزيارة  جلب السعد وطرد النحس من أجل الحصول على زوج صالح أعيش معه حياة سعيدة ملؤها الحب والحنان بفضل بركة الشريفة للاعائشة تمنت من ذلك ، ورغم زواجي والوصول إلى هدفي فلم أتخل عن زيارتي لهذا المكان الطاهر تضيف “سامية” قائلة ل “صحيفة الناس” والفرحة بادية على محياها، فكلما اقترب موعد موسم سيدي علي بنحمدوش إلا وازداد شوقي وحنيني لزيارته، رفقة ابنتي وزوجي الذي صار بدوره من مريدي وأتباع الطائفة الحمدوشية.

شعوذة شذوذ جنسي وأشياء أخرى …؟

خيام صغيرة منصوبة على طول الطريق المؤدية نحو ضريح للاعائشة الحمدوشية، رجال غلاظ وشداد يتولون الحراسة في الخارج لا نعرف ماذا يجري ويحصل داخلها، كل ما يتراءى ويظهر حينما يرفع الستار لإتاحة الفرصة لسيدة ما لولوج  المكان  مواقد تنبعث منها رائحة البخور،قطع من الرصاص والفولاذ مترامية هنا وهناك، وفي استفسارنا عن الأمر أكد لنا “حسن” شاب في عقده الثاني يقطن بالمنطقة ويدرس بجامعة مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، أن الأمر يتعلق بعرافات مشهورات قدمن من مناطق مختلف بالمغرب لتقديم خدماتهن لزوار وزائرات سيدي علي بنحمدوش، ولم يقتصر دورهن يضيف حسن على أعمال الشعوذة، فغالبيتهن يمتهن أيضا دور القوادة والبغاء وتشمل الخدمة الجنسين وخصوصا أن سيدي علي اشتهر في السنوات الأخيرة باحتضانه للشواذ الذين يحلون من مختلف المدن المغربية وحتى خارج الوطن لممارسة طقوسهم الشاذة، وهي عادة غريبة يقول “حسن” على موسم سيدي علي أحد رواد التصوف والجذبة بالمغرب، ولا نعرف نحن سكان القرية كيف ابتلينا بهذا السلوك الغريب عن ثقافتنا وهويتنا كمغاربة؟ ولا ندري من له المصلحة في نشر ذلك ونسبه للاعائشة الحمدوشية التي تبقى بريئة من هذه الأفعال المشينة، وإن كانت السلطات الأمنية قد بدلت مجهودا كبيرا للقضاء على هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة أو بالأحرى الحد من انتشارها، دون أن يخفي وجود محلات وخيام يمارس فيها الشذوذ الجنسي وإن كان ليس بالشكل الذي كان عليه في وقت سابق بعدما شرع الشواذ في اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لتجنب التدخلات الأمنية.
حركة تجارية واقتصادية كبيرة تعرفها البلدة خلال هذا الأسبوع
تعرف الحركة التجارية والاقتصادية بسيدي علي بنحمدوش رواجا منقطع النظير خلال هذا الأسبوع حيث تنتعش المحلات التجارية المتخصصة في بيع الشموع والحناء والحليب وماء الزهروما تحتاجه للاعائشة، إضافة إلى الانتعاشة التي يشهدها سوق الماشية حيث تروج  الآلاف من رؤوس الأغنام والماعز، التي تقدم كقرابين وذبائح فداء للاعائشة طمعا في بركتها و يتراوح ثمنها في السوق ما بين 600 درهم و1000درهم كل حسب طاقته وقدرته الشرائية بل هناك بعض الطبقات الميسورة من تقوم بنحر العجول والبقرات، وما ينعكس ذلك  بشكل إيجابي على مداخيل الساكنة وكذا الجماعة القروية التي تعتمد بشكل أساسي على مداخيل الموسم لإنعاش خزينتها من خلال عملية الكراء التي تدر عليها أرباحا طائلة خلال هذا الأسبوع، التي تشهد فيه أيضا عملية كراء المنازل في هذه القرية النائية ارتفاعا صاروخيا خلال مدة الاحتفال بموسم الولي الصالح سيدي علي بنحمدوش حيث يتراوح ثمن إيجار منزل مكون من 3 أو 4 غرف خلال  ما بين 6000 و10 آلاف درهم، معطى تتحكم فيه عملية العرض والطلب الذي يبدو هذه السنة جد منخفض  مقارنة مع المواسم الماضية، وأرجع “حسن” سبب ذلك لسوء الأحوال الجوية التي شهدتها المنطقة إضافة إلى قصر مدة العطلة الممنوحة للتلاميذ بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف.

إرسال تعليق

 
Top