تاوريرت 24 / الأخبار

انتهى الموسم الجامعي الفارط، بجامعة محمد الأول، التي تعد من أكبر الجامعات المغربية، على وقع موجة استقالات هزت رئاسة الجامعة، فجرت معها فضيحة من العيار الثقيل، تتعلق بكشف اختلالات خطيرة شابت تسيير الجامعة، ووصل الملف إلى قبة البرلمان، قبل أن يحال على أنظار المجلس الأعلى للحسابات. في هذا التحقيق تكشف «الأخبار» وثائق مفصلة حول كيفية صرف ميزانية التسيير والاستثمار الخاصة برئاسة الجامعة.

توصل المجلس الأعلى للحسابات، نهاية الشهر الماضي، عن طريق مكتب مجلس النواب، بملف ضخم يتعلق بالاختلالات المالية التي شابت تسيير جامعة محمد الأول بمدينة وجدة، بعدما اهتزت رئاسة الجامعة على وقع استقالة نواب للرئيس من المسؤولية. وحسب المعطيات التي توصلت إليها «الأخبار»، فقد بدأ قضاة المجلس في دراسة الوثائق المتضمنة في الملف المتوصل به، قبل مباشرة التحقيق والتحري في الاختلالات التي عرفتها الجامعة في السنوات الأخيرة.


استقالة تفضح المستور
تعود فصول تفجر فضائح تسيير هذه الجامعة، إلى يوم 10 يونيو الماضي، بعد إقدام أحد نواب الرئيس على تقديم استقالته من منصبه، احتجاجا على ما أسماها الاختلالات التي تشوب تسيير المؤسسة، ويتعلق الأمر بالأستاذ عمر عنان، الذي اشتغل نائبا لرئيس الجامعة مكلفا بالبحث العلمي والتعاون بجامعة محمد الأول، مع رئيس الجامعة السابق الأستاذ محمد الفارسي منذ 2005. وعند متم ولاية هذا الأخير في أبريل 2011، قدم استقالته بمعية النائب الآخر للرئيس والكاتب العام للجامعة، حتى يتسنى للرئيس الجديد المعين الأستاذ عبد العزيز صادوق تعيين الفريق الذي يريده. ويقول نائب الرئيس المستقيل، في تصريح لـ«الأخبار»، «وحينئذ طلب مني رئيس الجامعة أن أشتغل معه كنائب له، الشيء الذي لم أقبله في البداية نظرا لكل ما راج عن ماضيه من ممارسات واعتبارا لمصلحة الجامعة، التزمت بأن أصاحبه في الأسابيع الأولى حتى يتمكن من التعرف على شؤون الجامعة ويعين فريقه. وبعد إلحاح كبير دام قرابة ستة أشهر، ووعود لتبني مقاربة واضحة للعمل والتعامل، عينني نائبا له مكلفا بالبحث العلمي والتعاون، وعين بعد ذلك الأستاذ عبد القادر هكو نائبا له مكلفا بالشؤون البيداغوجية».
ويضيف الأستاذ ذاته، قائلا: «مع مرور الوقت، بدأنا نكتشف شيئا فشيئا الوجه الآخر للأستاذ صادوق، من خلال سلوكه ومعاملاته وتجاوزاته. ومع ذلك، فخدمة للجامعة وحرصا على الحفاظ على السير العادي لمصالح الرئاسة، تحملنا كل هذه التصرفات وحاولنا قدر المستطاع تخفيف بعض آثار سلبياتها وامتصصنا قسطا من استياء الفاعلين الجامعيين، من رؤساء المؤسسات والأساتذة الباحثين والأطر الإدارية والطلبة. وشمل هذا الاستياء الفاعلين الجهويين والسلطات المحلية وأرباب الشركات والمقاولات والشركاء الوطنيين والدوليين. وعندما ذاع «صيت» الرئيس في بعض مجالات التدبير، وأصبحت تصرفاته بصفته مسؤولا محرجة لنا، وتتداول بين الناس وفي بعض المواقع الإعلامية وعبر الرسائل المجهولة، أصيب بالهستيريا حتى أصبح يشك في أقرب معاونيه الذين خدموا الجامعة بإخلاص وتفان. وانتهى به الأمر إلى القيام بزوبعة انتقالات شملت العديد من أطر الرئاسة، بدون مبرر سوى السعي لتهيئ ظروف الفوز بولاية رئاسية ثانية، حتى ولو كلف ذلك شللا تاما لمصالح الرئاسة».
وتحدث عنان عن مجموعة من الاختلالات التي تشوب عملية تسيير الجامعة، لخصها في ضرب مبدأ تكافؤ الفرص في دفتر تحملات طلبات العروض، ما نتج عنه إقصاء بعض الشركات لتمكين شركات معينة من الحصول على الصفقات، واقتناء معدات عبر سندات طلب من شركات معينة، رغم توفر عروض أفضل لشركات أخرى، وتحويل مقدرات بنود الميزانية واستعمالها في نفقات غير مسطرة في الميزانية المصادق عليها، وعدم تقديم أي تقرير عن صرف ميزانية التسيير، خصوصا البنود المشتركة التي صرفت بشكل ارتجالي ومزاجي بعيدا عما رصدت لها، وتجاوز صلاحيات مجلس الجامعة ومجلس التدبير بعدم عرض مشروع الميزانية للدراسة والمصادقة، واستعمال طرق ملتوية لإنجاز بعض الأداءات والحصول على «تعويضات».


وكالة الأسفار الجامعية
وخصص رئيس الجامعة مبالغ كبيرة لتغطية تكاليف السفر، وهي محصورة في التذاكر وحدها من أجل التنقل داخل وخارج المغرب، فقد خصص لها مبلغ 1757966.00 درهما، أي ما نسبته 5.99 في المائة من الميزانية وهو ما قد يعادل ميزانية التسيير لجماعة قروية متوسطة يبلغ عدد سكانها 5000 نسمة، حتى أن البعض أصبح يشبه رئاسة الجامعة بوكالة أسفار، تقول المصادر، متسائلة عن من يستفيد من هذا العدد المبالغ فيه من تذاكر السفر، وما هي الغاية من كل هذه التنقلات، وأثرها على تطور الجامعة، أما تعويضات السفر، فقد خصص لها مبلغ 1462598.75 درهما أي ما نسبته 4.98 في المائة من ميزانية التسيير(البنود 10/54 و50/51 و10/55)، وفي تعليقه على هذا المبلغ، يقول مصدر جامعي «المؤلم أن من يستفيد من هذه التعويضات، أو على الأقل من جزء منها هم المكلفون بمهام لا يعلم طبيعتها إلا رئيس الجامعة، والمستشارون بدون مشورات، وجماعة مم «المحيحين» وذوو الحاجات والقربى والولاءات».
أما البند المتعلق بالتعويضات الكيلوميترية، مقابل استعمال السيارة الخاصة لأغراض المصلحة فقد خصص له مبلغ 437810.52 درهما في الوقت الذي يتقاضى فيه المسؤولين كما هو معلوم تعويضات عن استعمال السيارة الخاصة ضمن رواتبهم، إضافة إلى أن حظيرة السيارات التابعة لرئاسة الجامعة وحدها تتوفر على 8 سيارات مصلحة وحافلة (انظر الملحق رفقته) فلأية غاية يستنزف هذا المبلغ كله من ميزانية يفترض أن لها وجهة أخرى، أما الطامة الكبرى، حسب ذات المصادر، فهي المبلغ المالي المخصص من ميزانية التسيير للحفلات والفندقة وتنظيم اللقاءات، فهو مبلغ صادم ومؤلم إذ يبلغ 3098021.61 درهما، أي ما نسبته 10.56 في المائة من الميزانية وهو ما يعادل ميزانية التسيير لجماعة حضرية صغيرة عدد سكانها 10000نسمة.
فهذا المبلغ كله يذهب في الحفلات والمآدب والمأكل وأصناف من البذخ أمام أعين الطلبة الذين لا يجد الكثير منهم حتى ما يسد به رمقه. «فأين هي حكومة محاربة الفساد والتبذير»، يعلق أحد الأساتذة على المبلغ المذكور.
ويعلم الجميع بجامعة محمد الأول أن رئاسة الجامعة قد ابتدعت طريقة خاصة تنفرد بها عن باقي الجامعات المغربية وهي إجبار بعض المؤسسات الجامعية التابعة لها على أداء فواتير الحفلات التي نظمتها رئاسة الجامعة ولا علاقة بالمؤسسة التي أدت الفاتورة بالنشاط، كما هو الشأن بالنسبة لحفل الغذاء الباذخ الذي نظم بمناسبة منح الجامعة لإحدى الدكتوراه الفخرية .


درهم لكل طالب
«لكن المفارقة الغريبة والفريدة من نوعها»، تضيف المصادر ذاتها، هي أن بنود ميزانية تسيير رئاسة الجامعة المتعلقة بدعم الطلبة، وهم مركز الاهتمام ومحوره نظريا، حتى تتوفر لهم الظروف الملائمة من أجل الدراسة والتحصيل، من البؤس والضآلة، بحيث تكاد تكون في حكم العدم، ومن الأمثلة على ذلك، البند المتعلق بشراء الأدوية لفائدة المركز الصحي الجامعي المخصص للطلبة، فمبلغه لا يتعدى 50000 درهما، أي ما نسبته 0.17 في المائة من ميزانية التسيير، وإذا علمنا إن عدد طلبة جامعة محمد الأول هو 48000 طالبة وطالبا، فإن ما يخصص لكل طالب هو 1.04 درهم خلال سنة جامعية كاملة، ولا يختلف عن ذلك المبلغ المخصص لتأمين الطلبة فهو بدوره لا يتجاوز 10000 درهم، أي ما نسبته 0.03 في المائة من ميزانية التسيير وهو ما يعادل 0.20 درهم لكل طالبة وطالب بجامعة محمد الأول.
أما في ما يتعلق بميزانية الاستثمار، حسب الوثائق التي حصلت عليها «الأخبار»، فقد بلغت الاعتمادات المفتوحة برسم سنة 2013، ما مجموعه 84810263,88 درهما، منها الاعتمادات المتبقية من سنة 2012، بقيمة 23049551,83 درهما، وإعانة الدولة، بقيمة 33890000,00 درهما، ودعم وكالة تنمية الجهة الشرقية بمجموع 1000000,00 درهما، ودعم المركز الوطني للبحث العلمي والتقني 127200,00 درهما، وتحويل من ميزانية التسيير قدره 26743512,05 درهما.
وتم تخصيص - وفق الالتزامات المعلن عنها - ما يناهز 2 مليار و800 مليون سنتيم لأشغال البناء، و6 ملايير و200 مليون سنتيم للتجهيز، وبلغ حجم الاعتمادات المرصودة لاقتناء العتاد المعلوماتي، ما يناهز مليار و427 مليون سنتيم، منها 644 مليون سنتيم من اعتمادات 2013، و783 مليون سنتيم من اعتمادات 2012، وبلغت الاعتمادات المرصودة لأدوات التدريس بالنسبة للمؤسسات الجامعية ما مجموعه مليار و913 مليون سنتيم، أما الأدوات العلمية المستعملة في المختبرات فقد بلغت بمختلف المؤسسات ما مجموعه 2 مليار و842 مليون سنتيم.




ميزانية التسيير
تبلغ ميزانية التسيير برسم سنة 2014 المخصصة لرئاسة جامعة محمد الأول وحدها، دون المؤسسات الجامعية التابعة لها، 61387165.56 درهما، وإذا ما خصمنا منها مبلغ 32041322.98 درهما، عبارة عن متأخرات واجبة الأداء عن سنة 2013، يكون المتبقي صافيا لتسيير الرئاسة هو 29345833.58 درهما. وأفادت المصادر أن ما يعتبره المختصون في اللغة المحاسباتية خللا واضحا في التسيير، مظهره الأساس كون الدين يشكل أكثر من 50 في المائة من مجموع الميزانية، وفق ما تنطق به الأرقام أعلاه، ولكن بالتركيز بالخصوص على كيفية تدبير ميزانية تسيير الرئاسة، والذي هو 29345833.58 درهما، يبدو جليا وواضحا سوء توزيع هذه الميزانية على مختلف بنودها، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار المهام المنوطة برئاسة الجامعة، وكونها الركيزة والدعامة الأساسية لتوجيه وتفعيل مشاريع البحث والتكوين لفائدة الأساتذة والطلبة، وفق منظور شمولي ينبغي أن تسخر له أغلب الإمكانيات التي يمكن أن تتوفر للجامعة، وعلى رأسها مقدرات الميزانية.
ووفق مصادر جامعية، فإن ميزانية رئاسة جامعة محمد الأول، موزعة بشكل لا يأخذ بعين الاعتبار هذه المهمة. إذ تستأثر بأقساط مهمة، منها بنود لا تمت بصلة لوظائف الجامعة واهتمامات مكوناتها، ولا تراعي تماما محدودية الموارد المالية للمغرب، وما يقتضيه ذلك من ترشيد في الإنفاق، وحرص على أن يكون هذا الأخير في موضعه. فمن خلال قراءة متأنية لهذه الميزانية، يبدو أن التوزيع يتم بشكل اعتباطي وارتجالي، وبكثير من الإسراف الذي لا داعي له. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، البند المتعلق بواجبات الهاتف، حيث يسجل بمرارة توزيع أكثر من 120 هاتف محمول على عدد ضخم من المستفيدين بدون أية فائدة، وقد خصص لهذا العدد الكبير من الهواتف المحمولة مبلغ خيالي قدره 1049876.22 درهما (البنود 10/21 و50/23 و60/93) وهو ما يعني أن رئاسة الجامعة تصرف أكثر من 100 مليون سنتيم على الهاتف المحمول، أي ما يمثل 3.58 في المائة من مجموع ميزانية تسييرها . أما البند المخصص لشبكة الأنترنيت التي عرفت تلاعبات كلفت الجامعة تحملات فادحة قد نعود إليها في حينه، فيستغرق مبلغ 2677982.78 ( البند 10/25 و50/22 و60/94)، علما أن خدماتها لم تستفد منها مجموعة من المؤسسات التابعة للجامعة لحد اليوم، وتستنزف ميزانية التسيير لرئاسة الجامعة، معظم مقدرات الجامعة كلها بكافة مؤسساتها حيث تستأثر لوحدها بنسبة 43 في المائة منها، وعوض توظيف ميزانية الرئاسة في اتجاه دعم المؤسسات الجامعية وتجهيز المختبرات وتوفير الظروف الملائمة للتحصيل، «تتم بعثرتها بشكل مستفز على المظاهر الكاذبة التي لا تخدم في شيء المهام النبيلة المفترضة للجامعة».
 
Top