0
في ملفها الأسبوعي حاولت "الصباح" فتح صفحة من صفحات معتقدات المغاربة في موضوع الجن، وقرأت بعض القصص الواقعية لنساء ورجال يعاشرون الجن، يتزوجونه، ويتقاسمون معه الطعام، وحاورت متخصصن في علم النفس والاجتماع لمقاربة الموضوع من زوايا علمية.
رغم أن غالبية المغاربة يجزمون قطعا بوجود الجان، يتقاسمون معهم الفضاء ذاته، ومنهم من يؤكد أنهم يتقاسمون معهم الطعام والشراب، ويتخذون من أجساد البعض منهم مسكنا لهم، إلا أن الغالبية الساحقة، حسب يومية "الصباح"، لا تجرؤ على نطق لفظ "الجن"، كما أتى ذكره في غمار حديث أو نقاش حميمي بين الأصدقاء أو العائلة الواحدة.

وترى الجريدة أن إيمان المغاربة بالجن، واعتقادهم الراسخ بوجوده على الأرض واختلاطه بهم، تؤكده أبحاث ودراسات وقفت على مدى اعتقاد المغاربة بوجود الجن، آخرها تقرير أمريكي، صدر عن مركز "بيو" للأبحاث، كشف أن ما يعادل 86 في المائة من المغاربة مقتنعون بوجود الجن، و78 في المائة من المغاربة يؤمنون بـ"السحر"، و80 في المائة منهم متأكدون من حقيقة "شر العين".

وأبان التقرير نفسه، أيضا، حسب الجريدة، حرص المغاربة على تقديم قرابين للتقرب من الجن، وزيارة قبور وأضرحة الأولياء الصالحين للرض ذاته، رغم أنه وقف على نسبة مرتفعة من التدين لدى المغاربة، قال التقرير إنها تحتل الصدارة في منطقة شمال إفريقيا.

غير أن هذا الإيمان اليقين بوجود الجن، يقابله إيمان آخر بضرورة الابتعاد ما أمكن عن تسمية هذه الكائنات بأسمائها، فلفظ "الجن" يستمر ، وفق ما نشرته "الصباح"، ضمن لائحة الطابوهات المغربية، التي يحرم النطق بها علانية، على اعتبار أن ذكر الجن بالاسم هو بمثابة مناداة عليه، وقد يجر على من تجرأ على لفظ اسمه رد فعل انتقامي من الجن، قد لا تحمد عقباه. الأمر الذي يدفع غالبية المغاربة إلى إطلاق مسميات أخرى تشير إلى الجن دون ذكر اسمه، من قبيل "سيادنا" و"هادوك لي مكيتسماوش" و"موالين المكان"، أو "هادوك باسم الله الرحمان الرحيم".

وتؤكد الجريدة أن حرص المغاربة على الابتعاد عن التلفظ باسم الجن يمتد ليشمل، أيضا، ابتعادهم عن عدة أنواع من الحيوانات والحشرات والأماكن، التي راج في المخيال والموروث الشعبي لعموم المغاربة، أنها الأماكن المفضلة التي بلجأ إليها الجن، فبمجرد أن يسدل الليل ستائره يتفادى المغاربة، عن لا وعي في كثير من الأحيان، المرور بمحاذاة القطط، أو تخطي قنوات الصرف الصحي.

"الصباح" رصدت مواقف عدد من الباحثين والمحللين، حول الموضوع، حيث أكد مولاي رشيد بوحميدي، الخبير في الروحانيات، في مقال تحت عنوان: "مغاربة يعيشون مع الجن لغة التراجيم والعمار والقرين"، أن لكل إنسان قرينه الخاص يولد معه، والمسلم لا يجب أن يشكك في وجود الجن.

غير أن عالم الروحانيات يرى في مسألة الزواج بين الجن والإنس، نوعا من الخيال، بالنظر إلى أن كل واحد منهم خلق من مادة مختلفة، فالجن خلق من نار، بينما الإنسان خلق من تراب.

أما علي شعباني، الباحث في علم الاجتماع، فيرى، حسب الجريدة، أن اعتقاد المغاربة بالجن نابع من المعتقدات الدينية، غير أنه يعتبر، في المقابل، أن ما يقال حول زواج الإنس بالجن، أو العلاقات التي يمكن أن تربط الطرفين، غير منطقي ويصعب تصديقه، كما يؤكد أن هذا هو أصل الخلاف بين التأويل العلمي والتأويلات الأسطورية.

وتوسعت يومية "الصباح" في جوانب الموضوع، حيث نشرت عدم مقالات حول المغاربة الذين يعيشون مع الجن، والشيخ الذين يصارعون الجن والأرواح بالضرب، بالإضافة إلى بعض الأمور التي يؤمن بها المغاربة ويطبقونها دون منطق، مثل غضب "الجنون" من سكب الماء الساخن والمشي فوق "قادوس".

ولم تهمل الجريدة استقاء رأي العلم في الموضوع، حيث أجرت حوارا مع مدير مركز الأمراض النفسية بابن رشد بالبيضاء، أكد فيه أن "الجنون" ليسوا سوى "الميكروبات" التي توجد في جسم الإنسان.


من يحول دون تعرية صخور المعتقدات؟

تحولات عميقة طالت المجتمع المغربي واستهدفت بعض عاداته وتقاليده، إلا أنها لم تتمكن من تعرية صخور بعض معتقداته، خاصة تلك المتعلقة بالجن وارتباطه بالإنس، وبالتالي، فالجن وما يرتبط به من غيبيات ظلت على مدى التاريخ من "الطابوهات"، التي لم يتجرأ لا علماء الدين أو الأطباء أو المتخصصين الغوص في أغوارها، والبحث عن أجوبة مقنعة للآلاف من علامات الاستفهام التي مازالت إلى الآن تلتصق بهذا الموضوع.

إرسال تعليق

 
Top