0

إذا كان الحد الأدنى للأجور يتراوح ما بين 2000 درهم إلى 3 آلاف درهم، يتقاضاها بعض الأجراء في القطاع العام، تثير الحنق في النفوس، وإذا علمنا أن بعض الأرامل يتقاضين 150 درهما شهريا فقط، وفي أحسن الظروف يحصلن على تعويضات عن تقاعد أزواجهن تصل إلى 1000 درهم، يمسكنها بمرارة وغضب وخوف من الزمن، ليقاومن بها قسوة الظروف وضنك العيش، فإنه في المقابل نجد سخاء في تعويضات رجال الدولة ورجال السلطة من ولاة وعمال وقياد وباشاوات، وقد نجد أن أجر موظف بسيط يخسره والٍ أو عامل في شراء لباسه وهندامه فقط، أي أن التعويضات الممنوحة لرجال السلطة حسب ما فرضته مراسيم قوانين الحكومة يقدر بعضها بـ 3000 درهم شهريا مقدمة له كتعويض تكميلي عن الهندام كي يظهر سيادته في أبهى حلته وأناقته ممثلا للدولة، إضافة إلى أجره الشهري وتعويضات أخرى يصل مجموعها الشهري إلى 6 ملايين.



ولاة وعمال الأناقة
ولاة وعمال وقياد وباشاوات حدد لهم القانون تعويضات مالية عن المهام إضافة إلى أجرهم الشهري الحقيقي، وقد وضح ذلك القانون الأساسي لرجال السلطة في المغرب، بأن منح لهم تعويضات حتى عن الهندام واللباس، حيث عملت الحكومات على إنتاج مراسيم قوانين تكلفت بتحديد التعويضات المالية، وقد بين القانون الأساسي أن التعويض عن الهندام بالنسبة للوالي حدد في مبلغ 8500 درهم، بينما يحصل العامل على تعويض قدره 6500 درهم مقابل أناقته وشراء لباسه، في حين يحصل القائد والباشا على تعويض عن الهندام قدره 2000 درهم، تعويضات تنضاف إلى الأجور الحقيقية التي يتقاضاها رجال السلطة شهريا، والتي تفوق مبلغ 6 ملايين سنتيم شهريا، حقائق دفعتنا إلى قراءة متأنية في الفصل الأول من المرسوم الخاص برجال السلطة، حيث نلاحظ أن الولاة والعمال والقياد يستفيدون من تعويضات حددها المشرع في التعويض عن «الانضباط» وتعويضات أخرى توصف بـ «التكميلية» وتعويضات «خاصة» إضافة إلى تعويض «الهندام»، وتختلف التعويضات المالية حسب الرتبة الوظيفية التي يصنف فيها رجل السلطة. تعويضات تدخل في إطار الموارد المالية التي تستخلص من أموال دافعي الضرائب، حتى تسخر بجرة قلم وبقرار حكومي ومرسوم وزاري لشراء هندام الولاة والعمال والقياد، كي تُظهر ممثلي الدولة في أبهى حلة وفي أناقة، بحيث أن ظهورهم في الاحتفالات واللقاءات والاجتماعات، يكون مختلفا ومميزا عن الآخرين، وذلك حسب ما يؤكده العارفون بدواليب الداخلية، موضحين أن ذلك يتيح لرجال السلطة فرض هيبة الدولة وفرض احترامهم على الآخرين، والعمل بالمثل القائل «الزين والعلو شكون لي ولدو».

المغاربة يدفعون 7 ملايير لشراء لباس الوالي والعامل
وبلغة الأرقام، وفي عملية حسابية بسيطة، بعدما أثارت فضولنا التعويضات المالية الممنوحة لرجال السلطة الخاصة باللباس، وضعنا القيمة المالية للتعويض عن الهندام الخاص بالولاة، وقمنا بضرب القيمة المالية في رقم عدد الولاة، بحيث وضعنا القيمة المالية للتعويض 8500 درهم مضروبة في عدد الولاة الممثلين لـ 16 جهة في أفق تقليصها إلى 12 جهة، حيث تحصلنا على مبلغ قدره 136 ألف درهم، بما يمثل 13 مليون سنتيم و3 آلاف درهم تمنح شهريا للولاة لقاء شراء لباسهم والحفاظ على أناقتهم، تكلف الدولة مليارا و63 مليون سنويا، تخرج من خزينة الدولة لتصرف على هندام السادة الولاة، ذات العملية الحسابية قمنا بها بالنسبة للعمال، حيث وضعنا القيمة المالية 6500 درهم المحدد «كتعويض على الهندام» وقمنا بضربه في 75 عدد عمال عمالات وأقاليم المملكة، النتيجة كانت الحصول على رقم 487 ألفا و500 درهم، أي أن هندام العمال يكلف خزينة الدولة ما يفوق 48 مليون سنتيم شهريا، بما يمثل 5 ملايير و85 مليون سنتيم سنويا، تستخلص من أموال دافعي الضرائب.
واستمرارا في نهجنا في هذا التحقيق بالكشف وبلغة الأرقام عن موارد مالية للدولة وكيف تصرف في سخاء تام على ألبسة موظفيها ورجالات السلطة، واستحضارا لما يلاقيه الأجراء عند حصولهم على أجرهم الأدنى، نتابع العمليات الحسابية، ونقوم بعملية الجمع بين القيمة المالية المتحصل عليها من التعويضات الشهرية للولاة والقيمة المالية المتحصل عليها للعمال شهريا، حيث تبين أن 13 مليونا و3 آلاف درهم قيمة التعويض عن الهندام الممنوحة للولاة، مضافة إلى 48 مليونا قيمة تعويض اللباس الشهري للعمال، نحصل على نتيجة 61 مليون سنتيم تخرج من خزينة المملكة شهريا ممنوحة إلى الولاة وإلى العمال لقاء أناقتهم وحرصا على الحفاظ على طلتهم المشرقة في المحافل والاجتماعات وعلى شاشات التلفزيون، وبالتالي فإن القيمة المالية ترتفع سنويا بما يمثل 7 ملايير و32 مليون سنتيم، أي أن المغاربة يدفعون من جيوبهم ومنهم الأرملة التي تتقاضى 150 درهما والأجير الذي يحصل على 2000 درهم، يدفعون ما يفوق 7 ملايير سنويا للعمال والولاة «غير لبس»، بالإضافة إلى أجورهم الحقيقية والتعويضات الأخرى.



13 مليارا.. لباس القائد
لقد تميز التدبير الإداري لجهات المغرب، منذ زمن بعيد بالجهوية، وكانت الأقاليم وجهات المغرب، تحتكم إلى نظام اللامركزية في الحكم، حيث يوضع على رأس النظام الإداري والتدبيري للجهة «القايد» الذي توكل إليه أمور الحكم والإدارة السياسية والاقتصادية، بعد أن يعين من طرف السلطان، وكثيرا ما طبعت أحداث المغرب شخصيات تاريخية «قيادية» تركت رصيدا من الحكم القوي كان أبطالها «قياد»، وقد تميزوا بلباسهم وقفاطينهم المخيطة بالخيوط المذهبة والمرصعة «بالصقلي»، حيث توارث التدبير الإداري في المغرب، فعالية القائد كرجل سلطة يمثل الدولة بحكم أنه أكثر احتكاكا بالناس، وقد منحت له صلاحيات وصلت حدود الصفة الضبطية، ولم يغفل المشرع أن يمنح له تعويضات عن الهندام التي حددتها بعض المصادر في 2000 درهم شهريا، بالإضافة إلى الاستفادة من السكن وتعويضات أخرى، وبالرجوع إلى لغة الأرقام التي اتخذناها نهجا في هذا التحقيق للنبش في تعويضات الألبسة الخاصة برجال السلطة، نستحضر ما صادق عليه المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 4 أبريل 2013، بالمصادقة على مرسوم قانون بإحداث دوائر وقيادات جديدة، بحيث وصل عدد القيادات إلى 639 قيادة والدوائر إلى 190 دائرة، والتي على رأس كل وحدة إدارية منها رجل سلطة، إما قائد أو باشا أو خليفة قائد.
وإذا قمنا بالاستعانة بهذا المعطى فقط، في احتساب عدد القياد الذين يتجاوز عددهم بكثير هذا الرقم مع ما يعرفه معهد الإدارة الترابية من تخريج لأفواج سنويا تقدر بما يفوق 100 قائد، واقتصرنا على رقم 639 قائدا، نلاحظ أن القياد يكلفون الدولة شهريا مليارا و27 مليون سنتيم، أي أنه سنويا تكلف هذه الفئة من رجال السلطة المغاربة ما يفوق 13 مليارا، مسخّرة للإنفاق على لباس «القياد»، علما أن آخر الإحصائيات نقلت عدد القيادات من 639 إلى 670 قيادة، على رأس كل قيادة قائد، في إطار مشروع وزارة الداخلية الذي يتوخى إعادة هيكلة الإدارة الترابية.


هيبة الدولة
ولاة وعمال يظهرون في الملتقيات وعلى شاشات التلفزيون بربطات عنق أنيقة، وقمصان ومعاطف متناسقة ألوانها، وأحذية سوداء فاقع لونها، تميزهم عن الناس وعن المقدمين والشيوخ وأعضاء الجمعيات، يجلسون عند الصف الأول، يطلقون الابتسامة في كل الاتجاهات تراهم لا يتكلمون كثيرا، يداعبون هواتفهم الذكية، وأحيانا يصدرون الأوامر إلى الكتاب العامين أو أحد رؤساء المصالح. مميزون بأناقتهم وألبستهم الفاخرة والغالية الثمن، كيف لا و7 ملايير من أموال دافعي الضرائب تمنح لهم لقاء شرائهم ألبسة راقية، وحتى خروجهم لتجسيد الدولة وتمثيلها في الأسواق أو هدم البناء العشوائي أو معاينة الحوادث أو الحضور في حملات جمع النفايات.
تراهم بلباس أنيق وقبعات جميلة ونظارات سوداء، ونادرا ما يصادفهم المواطن في الأماكن العامة، فالانضباط السمة الغالبة على تحركاتهم، والحرص على الدقة في خطواتهم تطبع مسار عملهم ومهامهم، يوضح أحد الباحثين في مجال تاريخ السلطة في المغرب، وأن مهامهم في تمثيل الدولة، واعتباره مندوبا للحكومة في الجهة وممارسته لصلاحيات واسعة إدارية واقتصادية وسياسية، والتنسيق بين مختلف الإدارات والمندوبيات الحكومية، يجعله كثير الحركة واللقاءات.
ويعتبر الباحثون في مجال تاريخ السلطة في المغرب، أن هيبة الدولة يجسدها العمال والولاة، وأن اللباس جزء من فرض تلك الهيبة، والمساهمة بشكل جلي في تشكيل شخصية العامل والوالي، بحيث أنه يسخر كل الوسائل لتجسيدها والقيام بها بما يليق والتقاليد المرعية في المعاملة مع المواطنين، إذ أن ظهور الوالي أو العامل في لباس رديء أو قميص أو سروال مهترئ، قد يفقده ذلك احترام الناس وتضيع هيبته وسط القوم، وتذهب نخوته ولا يقيم له الناس وزنا في كلامه أو حديثه، وذلك متعارف عليه منذ العصور الإسلامية بعد أن دشن الخلفاء الراشدون لعهد الولاة والعمال على الجهات والأقاليم، لكن وتيرتها تصاعدت يؤكد الباحثون بشكل مغاير، وذلك مع تنامي الإقبال على الموضة والأزياء العصرية وانتشار أفكار جديدة في المجتمعات الحديثة تصنف الناس من لباسهم ومن مظاهرهم وتبعد الجانب الفكري والعلمي عن الشخصية المراد الحكم عليها أو الاستماع إليها أو قبول حكمها.
ويؤكد الباحثون أن مجال الأزياء طبع رجالات وشخصيات الحكم منذ العصور الأولى بحيث تعطى له الأهمية القصوى، وذلك ما كان يرتديه حكام الدولة العثمانية من قبعات طويلة مرصعة بالذهب، وما كان يفرضه الحكام على بعض أهل الذمة من النصارى وعلى بعض اليهود لتمييزهم عن عامة المسلمين. والقصد في اللباس التباهي بالوضع الاجتماعي والاختلاف عن عامة الناس.
وقد أولى حكماء الداخلية في المغرب منذ زمن أهمية بالغة للهندام والخروج إلى الناس، حتى منح اللون الأبيض المزخرف بأشكال مذهبة على اليدين في اللباس الرسمي للولاة والعمال، يحضرون به مراسيم رسمية، ويميزهم عن الجميع من نصاعة وبياض ذلك اللون من الرداء شبه العسكري.


اللهم لا حسد
لعل التعويضات الممنوحة لموظفي الدولة، كانت دائما محط أنظار المتتبعين، ومثار الجدل في جل الملتقيات والنقاشات المعالجة لتدبير المال العام، وأن المصرح به من أجور موظفي الدولة لا يمثل سوى الجزء القليل من الأجر المالي الحقيقي الذي يكتمل مع التعويضات الشهرية، بحيث نرجع إلى الأجر الحقيقي للوالي والذي يصل بالتعويضات الممنوحة له إلى الحصول على أجر قيمته 67 ألفا 376 درهما شهريا، بما يفوق 6 ملايين كل شهر يتقاضاها الوالي، كما يحصل العامل على أجر كامل مرفق بالتعويضات يصل إلى حدود 62 ألفا و712 درهما، بحيث نجد أن الوالي يتقاضى راتبا أساسيا قيمته تفوق 28 ألف درهم، والحصول على تعويض تكميلي قيمته 17 ألفا و500 درهم، ومبلغ 13 ألفا و271 درهما كتعويض خاص، بالإضافة إلى التعويض عن الهندام المقدر بـ 8 آلاف و505 دراهم، من جهته يستفيد العامل من تعويض خاص يقدر بـ11 ألفا و800 درهم، ومبلغ 16 ألفا و700 درهم كتعويض تكميلي بالإضافة إلى راتبه الأساسي المحدد في 27 ألفا و700 درهم شهريا، وتعويض اللباس بـ 6 آلاف درهم. تعويضات لم تتم الإشارة إليها في الظهير المنظم لهيأة رجال السلطة بل اقتصر الظهير على الإشارة إلى الحصول على تعويضات عائلية ومكافآت ومنافع محدثة بموجب النصوص التنظيمية، وتكليف الحكومة بتحديد التعويضات المالية، كما جاء في المادة 19 من الفصل الثالث من ظهير عدد 5677-27.

إرسال تعليق

 
Top