0

رشيد نيني


ما يحدث داخل جسم الأمن الوطني يستحق وقفة تأمل حقيقية لقرع ناقوس الخطر الذي يتهدد أحد أهم الأجهزة الأمنية المسؤولة عن ضمان أمن الوطن والمواطنين وممتلكاتهم.
ففي يوم واحد خلال الأسبوع الماضي أقدم شرطي وضابط في المنطقة الشرقية على الانتحار، وقبل يومين انتحر شرطي ثالث بمكناس.
ورجال الشرطة هؤلاء ينضافون إلى اللائحة الطويلة لرجال الشرطة الذين قرروا وضع حد لحياتهم انتحارا. هذا دون الحديث عن رجال الشرطة الذين قرروا تصفية زملائهم بسلاحهم الوظيفي، وآخرهم الشرطي الذي صفى زوجته الشرطية ووالديها بسبب التشكيك في رجولته، وقبله شرطي مشرع بلقصيري الذي صفى ثلاثة من زملائه بسبب الصراع على «باراج».
وكل ما سمعناه بعد توالي هذه الحوادث الخطيرة، هو أن الإدارة العامة تدرس إمكانية منع رجال الأمن من اصطحاب أسلحتهم الوظيفية إلى بيوتهم، وكأن هذا الإجراء سيمنع رجال الشرطة الراغبين في القتل أو الانتحار من تنفيذ جرائمهم.
من يريد أن ينتحر فأمامه الحبال والسم وبقية الوسائل، ومن يريد أن يقتل فأمامه السيوف والخناجر وغيرها من أدوات القتل. المشكل ليس في أداة تنفيذ الجريمة بل المشكل في الإنسان الذي ينفذ، ولذلك فكل الحلول المقترحة يجب أن تنصب على هذا الإنسان لا على الأدوات التنفيذية.
أولا وقبل انتقاد عمل رجال الشرطة يجب معرفة عمن نتحدث.
نتحدث عن جهاز يفوق عدد أفراده ستين ألف عنصر، الأغلبية الساحقة منهم تعيش على راتب شهري لا يتعدى خمسة آلاف درهم. إنها قبيلة رجال الأمن التي يشتغل كل واحد منهم بمفرده لحماية 8500 مواطن مغربي.
هذه طبقة من الموظفين قلما نستمع إلى شكواها، وغالبا عندما يتم ذكر اسمها، فإن ذلك يكون مقرونا إما بتجاوزات أو اعتداءات، أو أخبار تتعلق بانتحار أحد أفرادها.
السؤال المؤرق الذي يطرحه أي شرطي متخرج من معهد الشرطة، هو هل يجب على رجل الأمن أن يكون مرتشيا ومتسولا لكي يستطيع تحدي إكراهات الحياة المعاصرة ويعيش بسلام مع أسرته ورؤسائه في العمل، أم يجب عليه أن يكون شريفا ويكتفي بما يحصل عليه كأجرة وتعويضات لا يمكن أن تغطي مصاريفه ومصاريف أسرته إلا بصعوبة بالغة؟
هناك رجال أمن يلتحقون بعملهم لأول مرة وهم من نفس الفوج، ويحصلون على نفس الأجرة، ولكن بعد بضع سنين يبدأ الفرق بين بعضهم البعض يظهر من خلال وضعهم المادي الجديد. هناك من يحصل على السيارة والشقة ويسمن رصيده البنكي، في مقابل آخرين لم يتمكنوا من اقتناء حتى دراجة نارية.
لذلك فهناك تسابق محموم بين بعض رجال الأمن لكي يؤمنوا، كما يعتقدون، مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وما إن يتم وضع أحد منهم في الثلاجة أو إزاحته عن مكانه أو محاصرته من خلال المراقبة اللصيقة، حتى يفقد رشده ويبدأ في ضرب الأخماس في الأسداس ليحافظ على الوتيرة التي كان يسير عليها، وإلا فإن الوساوس ستهاجمه وستحاصره أسئلة الزوجة وتتراكم عليه طلبات الأبناء، فلا يجد بدا من تقبيل الأيدي والأرجل ودفع الرشاوي ليعثر على كرسي يضمن له دخلا مريحا.
رجال الشرطة الذين انتحروا مؤخرا ليسوا أول من ينتحر، بل كثيرون انتحروا قبلهم وآخرون ينتحرون يوميا، ولكن بطرق أخرى. وكل هذا بسبب بعض رؤوس الفساد التي حولت إدارات الأمن إلى إقطاعيات خاصة تتصارع فيها مجموعات يوجد على رأسها عرابون يأكلون بعضهم بعضا تارة ويأكلون الآخرين تارة أخرى.
وحتى لجان التفتيش، التي توزع العقوبات على عدد من رجال الأمن لأسباب بعضها وجيه وبعضها الآخر تتحكم فيه دوافع أخرى، لا تفعل شيئا سوى إعطاء الانطباع بأن هناك مراقبة وتتبعا لسير مصالح الأمن، دفعا للمؤاخذات.
ولو أن هذه اللجان كانت تريد أن تقوم حقا بعمل المراقبة، لقامت بزيارة دوائر الشرطة بطريقة مفاجئة لتفحص الملفات المتراكمة لديها، ونفس الشيء بالنسبة إلى مصالح الشرطة القضائية، ولطرحت سؤالا واحدا على الموظفين، وهو لماذا أنجزوا ملفا توصلوا به منذ ثلاثة أيام وتركوا هذه الملفات التي توصلوا بها منذ سنة.
أما عملية معاقبة صغار رجال الشرطة فهي أسهل إجراء تجيده أقلام كبار مسؤولي الأمن، حيث يكفي أن ينجز أي مسؤول أمني برقية تلكس لا تتعدى بضعة أسطر وبعثها إلى الإدارة المركزية بالرباط حتى يأتيه الرد بالإيجاب دائما، وفي زمن قياسي، وأحيانا دون الاكتراث لفتح تحقيق في الموضوع أو إيفاد لجنة لتقصي مدى صحة أو فداحة الخطأ المرتكب.
لنرجع إلى قصة ضابط «التوين» بوسط الدار البيضاء، والذي تم تصويره يتسلم رشوة، فهذا الضابط كان يعمل مؤطرا يعطي دروسا تكوينية يستفيد منها خريجو معاهد الشرطة، وقد ظل لسنوات يعمل بمدارة «التوين سانتر». لهذا وعملا بمبدأ الوقاية خير من العلاج فقد كان المفروض أن يتم فتح تحقيق في نقطتين أساسيتين:
أولا، حول معايير اختيار المؤطر الذي توكل إليه مهمة إعداد رجل أمن بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رجل أمن يتمتع بالوقار والهيبة وعزة النفس.
ثانيا، البحث عمن يتحمل مسؤولية «توريث» بعض المدارات وبعض النقط الحساسة لأسماء مُعينة، وفتح تحقيق في الموضوع، هل من الضروري التذكير بأن فاجعة شرطي مشرع بلقصيري التي أجهز فيها الشرطي البلوطي على ثلاثة من زملائه، كانت بسبب احتجاجه على آفة توريث وبيع وشراء مهمة العمل بالسدود القضائية والحواجز الأمنية، التي يعتبرها بعض رجال الأمن البقرة الحلوب التي تدر عليهم مبالغ مالية هامة؟
قليلون يعرفون أن جهاز الشرطة هو الجهاز الوحيد من بين مجموع القوات العمومية المغربية، الذي أفرجت إدارته شهر فبراير 2015 عن لوائح الترقية الخاصة بسنة 2013، وأن نسبة كبيرة ممن استفادوا من هذه الترقية هم إما محالون على التقاعد أو غادروا هذه الدنيا إلى الدار الآخرة.
كما أن قلة قليلة فقط تعرف أن نظام الترقي في جهاز الشرطة هو أحد أكثر الأنظمة إجحافا، حيث يلزم رجل الأمن 6 سنوات من الخدمة الفعلية كي يمكن اقتراحه للانتقال إلى الرتبة الموالية، ومرحلة اقتراح اسمه للترقي لا تعني حصوله أوتوماتيكيا على هذه الترقية، والدليل على ذلك كون ما يقارب 70 في المائة من الحالات لا تستفيد من الترقية رغم قضائها 6 سنوات من الخدمة الفعلية، أي ببساطة يمكن أن يقضي الشرطي 10 سنوات في الخدمة قبل أن يحصل على الترقية.
وللإشارة فقط فوالد الفنانة دنيا بوطازوت أحيل على التقاعد برتبة ضابط أمن قبل سنتين تقريبا، واليوم رقي إلى رتبة ضابط ممتاز، وهو مثال حي على هذه الإشكالية التي نطالب بحلها.
حوادث انتحار بعض رجال الأمن وجرائم القتل التي يرتكبها البوليس ضد الأصول والفروع وكذا زملائهم، والتي وقعت مؤخرا بالدار البيضاء وبلقصيري والقنيطرة لا يمكن أن تكون عادية، وللكشف عن أسباب هذه الحوادث يتوجب على المديرية العامة للأمن الوطني، وكل فئات المجتمع الاقتراب من رجل الأمن ومحاورته والاستماع إليه ومنحه مساحات بوح حرة، لكن وفي ظل انعدام آفاق الحوار والتواصل يبقى الأمل ضعيفا في الحد، أو حتى التقليل من هذه الحوادث.
وفي موضوع رشوة رجال الأمن هناك حلقة مفقودة هي المواطن، أليس المواطن هو من يفضل أداء 100 درهم كرشوة عوض أداء 700 درهم تذهب إلى صناديق الدولة؟ أليس المواطن هو من ينعت الشرطي المرتشي بـ«ولد الناس»، بينما يرشق الشرطي النزيه الذي لا يقبل التنازل عن تحرير المخالفات المرورية، بالمعقد والعكسي وغير ذلك من النعوت القدحية؟
إن المواطن يتحمل مسؤولية كبيرة في استفحال ظاهرة الرشوة، ويجب على المجتمع وخاصة الإعلام أن يُقِر بهذه الحقيقة، وأن يطرحها على طاولة النقاش عوض الاختباء وتعليق المسؤولية على مشجب الطرف المُتَلقي للرشوة، كيفما كان شخصه ومنصبه .
إن جهاز الشرطة يكاد يكون الجهاز الوحيد الذي يعمل طوال 24 ساعة دون تحفيزات، وإذا أخذنا بعين الاعتبار حجم المبالغ التي تتحصل عليها الدولة عن طريق الشرطة والمقدرة بملايين الدراهم يوميا، فإن حرمان البوليس من تحفيزات مالية وعينية يعد تنقيصا وتحقيرا لمجهودات هذه الفئة. فبالإضافة إلى المنتوج الأمني الذي يقف وراءه البوليس المغربي، والمتمثل بالأساس في ضمان سلامة الأشخاص والممتلكات والحفاظ على السكينة والأمن البيئي والروحي، تعمل أجهزة الشرطة على استخلاص غرامات ومخالفات مالية تذهب مباشرة إلى صناديق الدولة دون أن تخصص أي نسبة لرجال الشرطة مثلما يحدث في بقية دول المعمور، ناهيك عن عمليات حجز السلع والبضائع والمنقولات والعربات والعملة الصعبة، والتي تذهب كلها إلى خزينة الدولة دون أن تخصص منها نسب مئوية لرجال المديرية العامة للأمن الوطني.
ولو أن هذا القانون كان مطبقا على جميع الأجهزة لهان الأمر، فهناك أجهزة أخرى تستفيد من منح وتحفيزات لقاء مثل هذه العلميات، مثل رجال الجمارك وأطر وموظفي وزارة المالية وغيرهم.
لذلك فما يتوجب على المديرية العامة للأمن الوطني فعله اليوم هو الاستماع إلى رجال الشرطة والإنصات إلى مشاكلهم وفتح قنوات الحوار معهم وأخذ مقترحاتهم بعين الاعتبار. فسوط العقوبات والإهمال الذي تواجه به مديرية الأمن رجال الشرطة من جهة، والنظرة الدونية التي ترسخت في أذهان المواطنين تجاههم من جهة أخرى، تجعلهم يحسون بالغبن، خصوصا عندما يرون كيف تعرضت شرطية زميلة لهم للدهس بسيارة أحد أبناء أثرياء طنجة، فحصل الابن المدلل على السراح بعد دفع كفالة، والمصيبة أن له سوابق في السياقة بدون أوراق وتعنيف رجال الأمن. هذا دون أن نتحدث عن زوجة وزير الشغل التي دهست قدم شرطي بالقنيطرة فحصلت على التنازل بعد تدخل زوجها الوزير الشيوعي.
لذلك فالرصاص الذي ينتحر به رجال الأمن أو يصيبون به زملاءهم ليس سوى «رصاص إنذار» يجب أخذه على محمل الجد، حتى لا يتحول الانتحار إلى هواية جديدة عند رجال الشرطة، الذين نعول عليهم لضمان أمننا وأمن أبنائنا اليومي.

إرسال تعليق

 
Top