قصة التوتر الذي تشهده أوساط «الشرفاء» ليس جديدا، لكن الجديد هو أن هناك غليانا غير مسبوق داخل مجموعة من «الرابطات» التي يعلم المشرفون عليها يقينا، أن من بينهم أشخاصا لديهم وضع سيء وربما «ماض» أسود مع القانون.
لا يمكن أن يخرج البلاغ المشترك، لوزير الداخلية محمد حصاد، ووزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، من فراغ. هناك ممارسات تجري داخل بعض الزوايا، أو باسمها على الأصح، في الشارع المغربي.
يُسر الكثيرون، من أصحاب الزوايا ورابطات الشرفاء، لمعارفهم، أن علاقة صداقة متينة جمعتهم ببعض الموظفين الكبار بوزارة الداخلية، ومن بينهم عمال وولاة، يتعاطفون مع زوايا معينة، بل ويعتنقون «طرق» الزوايا في التصوف وتلاوة الأذكار في المواسم السنوية التي تقام. فهل حاول هؤلاء «المقدمون» يوما، أن يستغلوا الصداقة التي تجمعهم مع كبار المسؤولين، لقضاء أغراضهم الشخصية؟
لم يكن السؤال محرجا بالقدر الذي توقعناه، والكثيرون، كما سترون، أجاوبوا عنه بكثير من الفخر، فالعلاقة التي لا تقوم على المنفعة لا يليق بها أن تكون كذلك، على الأقل في نظر هؤلاء الذين تحدثنا إليهم.
عندما ربطنا الاتصال ببعض المنتسبين والمتزعمين أيضا، لعدد من «رابطات» الشرفاء، وأبناء عمومتهم، لمسنا أن الأمر يتعلق بأزمة كبيرة. بعضهم لم يكن قادرا على تمالك ما بقي لديه من أعصاب، ليوضح أن الزاوية التي ينتسب إليها نزيهة، وأن أبناء عمومته، يستحيل أن يُقدموا على ممارسات غير قانونية باسم نسبهم الشريف أو يعرضوه للبيع، بينما فضل الآخرون القفز على الموضوع، إلى الأمام.
هم، حسب زعمهم، ضحايا لبلاغ وزارتي الداخلية والعدل والحريات. «لا يستقيم أن تضع البيض كله في سلة واحدة». يقولون. ربما مخافة أن ينكسر بعضه، فحسب المصادر التي تحدثت إليها "الأخبار"، فإن كثيرين تحسسوا أعناقهم عندما وصل إليهم نبأ البلاغ الذي أصبح حديث الساعة داخل الرابطات والجمعيات المتعلقة بالشرفاء وأبناء عمومتهم، وفروعها المفتوحة في مدن كثيرة، وتستهلك سنويا ميزانيات محترمة لإقامة الأنشطة والاحتفالات الدينية التي يحضرها المنتمون والمتعاطفون.
هناك من استبشروا خيرا بالبلاغ، وينتظرون بفارغ الصبر تفعيل مقتضيات على أرض الواقع، لمنع الذين يتاجرون في الانتساب إلى بعض العائلات والانتماء إلى شجرة عائلية تصل قمتها إلى آل البيت والصحابة.
فيما تعالت الاحتجاجات، في مواقع التواصل الاجتماعي بطبيعة الحال، للمطالبة بإلغاء الميز الموجود بين المواطنين بسبب الانتساب إلى العائلات الشريفة، وما يعنيه ذلك.
هنا، يجب أن نسطر بالأحمر البارز، أسطرا كثيرة أسفل عبارة «ما يعنيه ذلك». لأن الامتيازات التي تفتح لبعض المنتسبين إلى زوايا الشرفاء بالمغرب، والطرق الصوفية الشهيرة، تجعلهم فوق القانون. لا نتحدث هنا عن الشارات التي توضع في مقدمة السيارات الفارهة وحتى الاقتصادية، والتي تسمح لأصحابها بالقفز فوق جميع نقط المراقبة ودوريات المرور في المدن وفي كل مكان، بكل خفة، وكأنهم فوق القانون، بل يتجاوز الأمر السيارات ليدخل إلى دهاليز الإدارات العمومية. وبلهجة العارفين، تحدث الكثيرون عن شرفاء يستغلون «النفوذ» وتعاطف المسؤولين الكبار، مع زواياهم، ليستفيدوا من الحظوة في قضاء أغراضهم الإدارية والحصول على الامتيازات.
البلاغ جاء متزامنا أيضا، مع قضية شائكة بكل المقاييس، ربما من سوء حظ أبطالها، أو حسن حظهم، لا ندري، أن تتزامن أطوارها مع قضية البلاغ الذي أصدره الرميد وحصاد.
القضية معروضة الآن أمام القضاء، يتراشق أبطالها الاتهامات بالتزوير، ويضعون وثائق، تؤرخ لكل منعطف من منعرجات القضية، لتكتب تفاصيل القصة كما عاشتها الأطراف. وتشكل، بالمقابل، للرأي العام، صورة موجزة عن بعض ما يدور في ردهات المحاكم، أبطاله أناس غير عاديين، لانتمائهم إلى «الأنساب الشريفة» التي يريد البلاغ أن يؤطرها اليوم.
الأمر يعيد إلى الأذهان ما وقع قبل عشرات السنين، عندما طالب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية وقتها، المكي الناصري، بإلغاء طقوس الزوايا والاحتفالات الصوفية. لكن الصوفيين وبعض رموز الزوايا النافذين في المغرب اتحدوا ضده، وضغطوا على وزارة الداخلية وقتها، لتجد الوزارة نفسها، مجبرة على السماح لزعماء الزوايا بالاستمرار في إحياء الطقوس والمواسم التي تدر عليها أموالا ضخمة، وتحيي لديها صنفا لا يستهان به من أصناف السياحة الداخلية بالمغرب. انتصرت الزوايا على وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وأدرج ملفه في الأرشيف. هل ستقوم الزوايا اليوم بنفس السيناريو مع بلاغ وزيري العدل والداخلية؟ أم أن المغرب أمام سابقة، تقلم «أجنحة» الممارسات التي تطال مجال الأنساب الشريفة بالمغرب؟
تقرؤون المزيد من التفاصيل في ملف نهاية الاسبوع بجريدة "الأخبار".

 
Top