0

حفيظ الأجراوي

لطالما شكلت سياسات اغراق الدول في الديون خطرا يهدد المصير الاقتصادي للشعوب ويرهنه في ايدي المؤسسات الدائنة ،من خلال التحكم في اعادة هيكلة الاقتصاد بما يفرض ويضمن ارجاع الديون بكلفتها الضخمة،ولذلك تزداد العديد من الكوارث الاقتصادية والاجتماعية من ضرب لكافة مقومات الحماية الاجتماعية لعموم الشعب،من تسريحات جماعية للعمال والموظفين والمستخدمين وتخفيض للاجور ثم تقليص لمعاشات التقاعد ،وضرب الخدمات الاجتماعية وخوصصتها،وتلجأ الدول التي تذعن لاملاءات هاته المؤسسات الى تضييق الخناق على العمل النقابي وقمع الحركات الاحتجاجية المطلبية التي تطالب بالشغل والكرامة (حركات المعطلين نموذجا)
في اليونان وبعد مقاومة شعبية عارمة انتبه اليونانيون الى ان الاحتجاجات المناهضة لسياسات التقشف المنتهجة انذاك لا بد لها من افق سياسي،فكان الموعد مع الخامس والعشرين من يناير الماضي حيث صوت الشعب بكثافة لصالح سيريزا(ائتلاف بين عدد من الاحزاب اليسارية يراسه حاليا الكسيس تسيبراس)وهو الائتلاف المعادي للسياسيات النيوليبرالية المملاة من طرف الترويكا(:اللجنة الاروبية-البنك المركزي الاروبي-صندوق النقذ الدولي،)التي جعلت من اليونان مختبر تجارب لتطبيق سياساتها ،حتى اصبح من البلدان الاكثر مديونية في العالم ،بمبلغ يصل الى 322مليار يورو ،وبعد تشكيل البرلمان اليوناني للجنة التقصي حول الديون المتراكمة على اليونان للتدقيق في حيثياتها،خلصت هاته اللجنة الا ان الدولة لا يمكنها تسديد المديونية دون الحاق ضرر بالغ بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الاولية فيما يخص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب اليوناني،ورغم هاته الوضعية الماساوية فقد ظلت الترويكا متمسكة بموقف تطبيق السياسات النيوليبرالية من خلال تفاوضها مع الحكومة اليونانية التي يقودها حزب سيريزا ،وتتلخص اجراءات الترويكا فيما يلي:
خفض المعاشات التقاعدية،رفع الضريبة على القيمة المضافة،تحرير سوق العمل
وهي الاجراءات التي رفضتها الحكومة اليونانية بزعامة سيريزا لانها تعاقدت مع الشعب على تحسين اوضاعه الاقتصادية والاجتماعية ،واستقلالية قراراتها السياسية والاقتصادية.
في المغرب: يتزايد بشكل متسارع لجوءالحكومة إلى الاقتراض من الخارج(وصل حجم المديونية الى 282مليار درهم وهو ما يشكل ثلث الناتج الداخلي الخام)،حيث حذر خبراء اقتصاديون من أن المغرب مقبل على حقبة جديدة من التبعية للمؤسسات الدولية، خاصة أن حاجيات المغرب من السيولة تقدر بحوالي 6 أو 7 مليارات دولار، وبالتالي ستجد الحكومة نفسها مجبرة، في ظل عدم توفرها على بدائل، على اللجوء من جديد إلى الاستدانة من الخارج لتغطية حاجياتها من العملة. لكن الخطير في مسألة الاستدانة هو تجاوز العتبة الحرجة للديون مقارنة بالناتج الداخلي الخام، والتي تبدأ من 40 في المائة.
وبالرجوع الى الوعود الانتخابية لحزب العدالة والتنمية والتي وعد من خلالها المغاربة بتحقيق نسبة نمو تقدر ب7 في المائة ،نلاحظ ان الوعود العرقوبية هاته لم تكن سوى ذر الرماد في العيون اذ سرعان ماسيتراجع بن كيران ليصرح بنسبة 5,5 بالمائة فور تنصيبه رئيسا للحكومة ،ولم يقف الامر عند هذا الحد اذ بعد ثلاث سنوات من عمل هاته الحكومة سيصرح والي بنك المغرب امام الملك ان نسبة نمو اقتصاد البلد قد تراجعت الى 2،4 بالمائة برسم سنة 2014وان نسبة البطالة بلغت حوالي 10 بالمائة .
وظف بنكيران قاموسا دخيلا عن المجال السياسي قريبا من الخرافة ،حين صرح انه لن يستطيع مواجهة التماسيح والعفاريت ،في إشارة لناهبي المال العام والمفسدين ،وهذا التصريح يعد تسويغا لغض الطرف عن وفائه بالتزاماته الانتخابية من جهة ،واعطاء الضوء الأخضر لمزيد من نهب ثروات الوطن من جهة اخرى ،وهو ما يبرر كذلك تاكيده لمقولة عفا الله عما سلف ،أي عفا الله على الذين نهبوا ثروات البلاد ،واغتنوا بطرق غير مشروعة مستفيدين من اقتصاد الريع والامتيازات.إن الأرقام المشار إليها اعلاه توضح بشكل ملموس عجز الحكومة على تدبير الشأن العام وتنمية البلد عوض تفقير الشعب وجعل الفقراء يؤدون ثمن اذعان النظام للسياسات النيوليبرالية المتوحشة ،عبر الرفع من الأسعار وتوقيف التوظيف في افق الغائه والاكتفاء بنظام التعاقد كبديل للتوظيف ،وخفض معاشات التقاعد،وضرب مجانية التعليم والتطبيب .... فما هي مظاهر عجز حكومة بنكيران باعتبارها حطمت جميع الارقام القياسية في لجوء الحكومات المتعاقبة الى المديونية الخارجية ،ورهن الاجيال القادمة لدى سياسات صندوق النقذ الدولي والبنك العالمي؟
تتلخص مظاهر عجز حكومة بن كيران فيما يلي:
1: حين يستعمل بنكيران اسم الملك في خطابه السياسي/الشعبوي ،فان الامر يعكس التخوف الكبير لرئيس الحكومة من نوايا المحيط الملكي ، فقول بنكيران مرارا وتكرارا بأنه جاء فقط لمساعدة الملك او عندما يقول بان الحاكم الفعلي للمغرب هو الملك كما قال على قناة الجزيرة مؤخرا، مؤشر دال على انه يريد اعطاء المغاربة انطباعا، بان حكومته وشخصه لا يتحملان المسؤولية الكبيرة في بطء عملية الاصلاح السياسي والاداري والاقتصادي المغربي بل ان المؤسسة الملكية باعتبارها الحاكم الفعلي هي من تتحمل ذلك  . كما ان بنكيران لا يفوت فرصة دون ان يذكر اتصالاته المتكررة مع الملك والهدف من ذكر ذلك بشكل متكرر هو، اعلام المواطنيين والمستثمرين وكل من يهمهم الامر في الداخل والخارج  بان حكومة بنكيران وشخصه  يحظيان برعاية واحتضان ملكيين  ، مما دفعه لاختزال ممارسته السياسية وعمله الحكومي في ما يعتبره ارضاءا للملك ومحيطه وجعل المغاربة ينظرون بعين التشاؤم من اصرار  بنكيران على قيادة البلد نحو الافلاس  .
فهوماض بقوة في افقار الطبقة المتوسطة المغربية والبرجوازية الصغرى والتضييق على اجورها وضرب قدراتها الشرائية ، و قد سبق ان تجاهل نضالات الشباب المغربي  في حركة 20 فبراير رغم انه استفاد من نضالاتها  وتضحياتها ولولاها لما اصبح رئيس حكومة ولا حتى وزير  ، لكنه خانها  وسكت عن المتابعات القضائية لنشطائها  وتخالف وتعاند  مع النقابات العمالية وتصارع مع الحركة النسائية مبخسا مطالبها المحقة ، ووضع كل سياسته في سلة واحدة اي سلة السعي نحو الرضا الملكي،
2: كل خطابات بنكيران تتحدث عن انجازات اقتصادية لفائدة الاقتصاد الوطني وعن تحسن مناخ الاستثمار  ، والحال اننا جميعا نعلم علم اليقين ان معدل الفقر في ازدياد والبطالة في اضطراد والمديونية اصبحت غير مقبولة   ولانحتاج الى قراءة التقارير الوطنية والدولية حول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمواطن المغربي فنحن نلمسها في معيشنا اليومي  ، نعلم جيدا ان نسبة نمو الاقتصاد الوطني انكمشت كثيرا بفعل الضغوط الضريبية على الطبقات المتوسطة  وهي المحرك الديناميكي للاقتصاد الوطني  من حيث الاستهلاك وتوفير الثروة ، كما نعلم جيدا ان عدد العاطلين عن العمل تزايد تزايدا مضطردا بفعل سن الحكومة سياسة اقتصادية ترتكز على القطاع الخاص الهش اصلا وتسعى جاهدة لاقالة الدولة من واجباتها التشغيلية واصل وجودها اصلا ، اي ان الولة وجدت اصلا لخدمة المواطن وتشغيله وتطبيبه مقابل الضرائب والالتزام الذي يبديه المواطن  للقانون ، فيما حكومة بنكيران تريد للمواطن ان يخدم الدولة، كأن الدولة  هي الاصل والمواطن وهو الفرع . حكومة بنكيران بطبعيتها السياسية عاجزة عن اعطاء بدائل اقتصادية جذرية وحقيقية للنمو الاقتصادي العادل ، والسبب ليس في نوايا اعضاء الحكومة او لعدم رغبتهم في ذلك ، ولكن لان الاختيارات الاقتصادية لحكومة بنكيران وللحكومات السابقة هي النهج الراسمالي التبعي ، وهذا النهج مميت لكل القوى السياسية المطبقة له لانه لا يمكن ان تتماشى الراسمالية التبعية مع العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات ،فالحكومة التي تريد خوصصة التعليم والصحة والابقاء على الادوار الامنية للدولة فاشلة اقتصاديا وسياسيا 
حكومة بنكيران لا تبدع سوى في خنق الحريات العامة والفردية وقمع الحركات الاحتجاجية،وتنزيل قوانين وتشريعات (اصلاح القانون الجنائي نموذجا،)تهدف من ورائها الى مزيد من المخزنة والتقليد وخلق راي عام موغل في الغوغائية (الضجة التي خلقها فيلم الزين لي فيك-احداث انزكان وفاس والرباط ....) وبالمقابل نجدهاعاجزة عن اقرار عدالة اجرية عبر تخفيض الاجور العليا والغاء صناديق التعويضات الخيالية في الوزارات ، عاجزة تماما عن اقرار ضريبة على الثروات الكبرى بالمغرب في اطار التضامن الاجتماعي ، وعاجزة اكثر على استرداد الاموال المنهوبة والمسروقة واعادة استثمارها. فاستراتيجية الحزب الاقتصادية والاجتماعية خالية من بدائل تنموية تقوم على التشغيل للجميع والتوزيع العادل للثروات وبعبارة دقيقة على متطلبات اقرار دولة العدل والحق والقانون كأفق استراتيجي. الحزب يطبق اجندة المؤسسات الدولية المانحة ويتجه نحو ربط الاقتصاد الوطني بالاسواق الدولية بدون تنافسية تذكر ولا اخذ بالاعتبار مساوئ النظام الراسمالي التبعي ، المفقر للشعوب والمستلب لثرواتها. عبدالاله بنكيران يتباهى دائما بانه استطاع فتح ملف صندوق المقاصة ، وهو ملف شائك قد يعصف بشعبيته الانتخابية وهذا صحيح .لكن اليس لرئيس الحكومة بدائل اخرى لدعم الطبقات الفقيرة ومنها تأميم بعض مؤسسات الدولة ومنها الفوسفاط؟ فمعروف ان تخصيص عائدات الفوسفاط وحدها قادرة على تشغيل العطلين جميعا ، والحال اليوم ان ما يربط ايادي الحكومات المغربية هو عدم قدرتها على التحكم على كل مفاصل الثروات الوطنية التي تعتبر خارج اختصاصات الحكومة والبرلمان مجتمعين  ، او التغاضي عن وكالات تستنزف ميزانية الدولة ولا تقوم باعمال اقتصادية منتجة وقابلة للقياس و لا تخضع للتقييم ولا التمحيص.
3: رئيس الحكومة يستغل كل فرصة جماهيرية ليقول بان حكومته جاءت لمحاربة الفساد ووقف النهب المنظم للمال العام واقران المسؤولية بالمحاسبة . ثلاث خطوات اساسية اقدم عليها رئيس الحكومة تدحض اقاويله وتصريحاته بخصوص محاربة الفساد.
الخطوة الاولى : تواطئ رئيس الحكومة مع المفسدين في ابقاء نظام الانتخابات والتقطيع على حاله اي مشرعنا للبلقنة وللفساد الانتخابي ولصالح الاعيان اصحاب الشكارة  ، وكلنا نعرف بأن اي اصلاح سياسي بالمغرب واي مصالحة للمغاربة مع السياسة لابد ان تبدأ باجراءات عملية لتقوية المشروعية الديموقراطية الترابية والمجالية ، اي تقوية قدرات وضمانات الحكامة الديموقراطية للمجال وللفاعلين فيه ، فالابقاء على لوائح انتخابية مشكوك فيها واقصاء الملايين من المغاربة من التصويت بالبطاقة الوطنية لدواعي تقنية كما يقال وهو غير صحيح ، والغاء الكفاءة والشهادة في رئاسة الجماعات الترابية بدعوى التدرج في الاصلاح وعدم اغضاب الاعيان وهو الارجح ، واقصاء المراة المغربية من المناصفة بدعوى حفظ الخصوصية المغربية ومراعاة التقاليد المرعية في الحفاظ على مجتمع بطريكي . كل هذه العناصر واخرى تعتبر رئيس الحكومة باعتباره الدستوري والقانوني والشعبي متآمرا على الشعب المغربي ومشاركا في جريمة الابقاء على تخلفه السياسي والاجتماعي لدواعي سياسية رجعية وشخصية.
الخطوة الثانية :الابقاء على نفس الترسانة القانونية المنظمة للغابات وللثروات الطبيعية والتي يتم استغلالها لقضم اراضي الشعب المغربي وتفويتها الى الخواص بطرق ملتوية وفاسدة ، فجميع القوانين المغربية تعرضت للتغيير والتبديل الا القوانين التي تتعلق بالغابات  والثروات الباطنية فهي بقيت قوانين استعمارية فوق المسائلة والتعديل والتجريح ، والحال ان الحكومة المغربية لم تستطع لحد الان مواجهة مافيات الاراضي التي تشكل دولة داخل الدولة ، وتسيطر على القضاء وعلى المحافظات العقارية  والاعلام والاستثمار بل الادهى من كل هذا التأمر ان تقوم الحكومة بالمتابعات القضائية وسجن  السكان المحتجين والمتضررين من نزع الاراضي وتفويتها للرساميل الاجنبية  . 
الخطوة الثالثة : الاحتفاظ على نفس قانون الصفقات العمومية ، الذي يعتبر البقرة الحلوب لمدراء المؤسسات العمومية ورؤساء المؤسسات الترابية، هذا القانون فصل اساسا وبثغراته العديدة للنهب المنظم للمالية العمومية ، فالابقاء على سندات الطلب ضمن مدونة الصفقات العمومية تفتح الباب على مصراعيه للفساد وسرقة المال العام ، ولعل تقارير المجلس الاعلى والمجالس الجهوية للحسابات كافية للتدليل على ما اقول، حيث انتشار الفساد واستغلال النفوذ وغيرها من الجرائم المالية التي تكرمت عليهم الحكومة بعدم متابعتهم الا بعد الانتخابات ، اي تعطيل دور القضاء وتسخيره لخدمة السياسيين .
هذه الخطوات الثلاثة وغيرها كثير، تثبت بما لا يدع مجالا للشك ان حكومة عبدالإله بنكيران هي حكومة استمرار للنهب والقمع والمتابعات القضائية في حق الفاضحين للفساد من صحافة ومدونين  الحقوقيين ، وليست حكومة قطع مع الاستبداد والفساد والتحكم السياسي كما هو مأمول منها،وهنا لابد من الرجوع الى حراك 20  فبراير حين خرج الشباب في مختلف ربوع الوطن للمطالبة باسقاط الفساد والاستبداد ،والمطالبة كذلك بدستور ديمقراطي يربط المسؤولية بالمحاسبة ويعطي السلطة كامل السلطة للشعب ،لكن التفاف القوى التقليدية وحزب العدالة والتنمية نموذجا لهاعلى هاته المطالب جعلته يجسد قاعدة دستورية تركزت في مختلف دساتير البلد وهي ان الحكومات لا تحكم بل تنفذ استراتيجية الملكية والمؤسسات المانحة.
وللمقارنة بين مايقع في المغرب واليونان ،نجد ان الشعب اليوناني بفضل قواه الحية يخرج للشارع لمقاومة السياسات النيوليبرالية للترويكا الاروبية مدعوما بحكومته التي احترمت التزاماتها الانتخابية باعتبارها حكومة يسارية وتعاقدت مع الشعب في اعطاءه السيادة لتحديد مصيره الاقتصادي .بينما في المغرب وكما اشرنا سابقا نجد ان بنكيران بلع لسانه الذي كان يتحدث به في الحملة الانتخابية ،وبرع في اطلاق العنان لخطاباته الشعبوية المثقلة بالغوغائية ، للهروب من الاسئلة المحرقة للتنمية والاكتفاء باغراق البلد في الديون الخارجية مع ما يعنيه الامر من مزيد من التفقير والتهميش  ليلهي المغاربة عن مشاكلهم الملحة حيث بتنا نشهد مؤخرا تجييشا للشارع من اجل خلق راي عام غوغائي ضد الحريات الفردية .  .
 المغرب اذن في منعطف تاريخي بين حكومة لاشعبية عاجزة وخنوعة وبين مجتمع محتقن وطموح ومثقل بالخيبات والآلام والخيانات . المجتمع المغربي لن يبقى مكتوف الايدي امام ارتفاع الاسعار وضعف التنمية واستشراء الفساد وانهيار الصورة المعنوية لمعظم الاحزاب والنقابات، المغرب امامه خيارين لا ثالث لهما اما حكومة مسؤولة وديموقراطية ومستقلة في قرارتها واما انتفاضات واحتجاجات مستقبلية واحتقان اجتماعي وسياسي. 

إرسال تعليق

 
Top