0
علي أنوزلا

النقاش حول المساواة في الإرث بين المرأة والرجل ظل دائما من المحظورات التي لا يتحدث عنها في الساحة العامة في المنطقة العربية، على اعتبار أن هذا الموضوع تم حسمه قبل أربعة عشر قرنا بنص قرآني قطعي وصريح، يعطي للرجل ضعف ما يمنحه لشقيقته من إرث أبويهما.

وحتى المفكرون القلائل الذين تجرءوا على إثارة هذا الموضوع تم رجمهم بالكفر والزندقة وتعرضوا للتشهير المعنوي، وأحيانا للتنكيل المادي والإبعاد عن الأوطان.

وفي المغرب ظل هذا الموضوع مسكوتا عنه لمدة طويلة حتى اقتضت "الضرورة" السياسية للسلطة الحاكمة في المغرب إثارته وتحويله إلى موضوع للنقاش العمومي.

إن الأمر لا يتعلق بثورة دينية تقودها السلطة الحاكمة في المغرب، والتي تبني أصلا شرعيتها على مرجعية دينية، كما لا يمكن تفسير الأمر بأنه ناتج عن اصطفاف عناصر من "اليسار" الذي اختار التواري خلف هذه السلطة المحافظة، لمواجهة المد الإسلامي في أفق إعلان علمانية الدولة.

كل ما في الأمر أن مثل هذه المواضيع، من قبيل قانون الأسرة الذي أثير عام 2004، وقانون الإجهاض الذي أثير عام 2014، وموضوع المساواة في الإرث المثار اليوم، مواضيع تطرح على الساحة العامة عندما تريد السلطة الحاكمة في المغرب لفت انتباه الرأي العام عن مواضيع سياسية تهمه، أو في أفق الإعداد لمواجهة المد الإسلامي الذي اتخذ اليوم طابعا مؤسساتيا من خلال التقدم الباهر الذي يحرزه حزب "العدالة والتنمية" عبر صناديق الاقتراع داخل مؤسسات وأجهزة الدولة.

وفي كل مرة تثار فيها مثل هذه المواضيع الحساسة ينتهي النقاش فيها إلى "التحكيم الملكي" الذي غالبا ما يجهض النقاش أو يحوره أو يفرغه من عمقه ومحتواه. حصل هذا مع قانون المرأة الذي لم يغير من وضعية المرأة في شئ رغم مرور أكثر من عشر سنوات على تطبيقه، وتكرر مع موضوع الإجهاض الذي لم يمنعه ولم يحرمه، ولا يستبعد أن يتكرر نفس السيناريو مع موضوع المساواة في الإرث.

ومن خلال النقاش الدائر حاليا حول هذا الموضوع يمكن استشراف ما يمكن أن يؤول إليه. فعلى مستوى الجبهتين، جبهة المطالبين بالمساواة، وجبهة المطالبين بالالتزام بحرفية النص القرآني، يقف كلاهما على نفس المسافة من عدم القدرة على دفع النقاش إلى مداه، كما تقتضي قاعدة النقاش الديمقراطي والحر.

فداخل جبهة المطالبين بالمساواة والتي يقودها "المجلس الوطني لحقوق الانسان"، وهو مؤسسة استشارية ملكية يعين أعضاءها الملك، لا يتحدث أصحابها عن انعكاس تطبيق المساواة في الإرث على إرث المُلك في المغرب، ومدى أحقية النساء سليلات الأسرة الملكية في تولي عرش المغرب على غرار الأبناء الذكور. مثلا، لا يقترح هؤلاء كيف سيتم التعامل مع نص الدستور الذي يحسم في أن ولاية عهد ملك المغرب يجب أن تؤول مباشرة إلى الإبن الذكر البكر للملك الجالس على العرش حتى لو كانت له شقيقات بنات يكبرنه سنا، كما حصل مع الملك الحالي للمغرب.

وعلى جبهة المحافظين المطالبين بالالتزام بقدسية النص القرآني، لا يُسمع لهم صوت عندما لا تحترم قدسية هذا النص المقدس في مواضيع أخرى حسم فيها بشكل حرفي وقطعي، مثل موضوع الربى والزنى والسرقة وشرب الخمر... فمقابل كل هذه النصوص القرآنية القطعية في هذه المواضيع توجد نصوص قانونية وضعية تخالفها معمول بها ولا أحد يجادل في أنها مخالفة للشرع.

ومع ذلك تبقى مجرد إثارة مثل هذه المواضيع الحساسة وطرحها للنقاش العمومي شئ إيجابي، شرط أن لا يكون من وراء إثارتها أهداف سياسية، لأن ذلك يفرغ النقاش من كل محتوى ويفقد أصحابه كل مصداقية أمام الرأي العام.

إرسال تعليق

 
Top