0
العمل الفائز بالمرتبة الأولى في مسابقة القصة القصيرة بتاوريرت :

بقلم: أنس سبعاوي

لا زالت ملامح وجهِها منحوتة في ذاكرتي و لا زلتُ أتنفس عبقها إلى غاية اللحظة ،  لم تمضِ إلا دقائق معدودات على مرورها بجانبي ، تلك الشقراء الجميلة صاحبة ' الشال ' الأحمر الذي تتدلى منه بعض الخصلات الصفراء على جبينها ، جذبتني عيناها الخضراوان و الغمازات البادية على وجنتيها المتوردتين .
كلما مرت أمامي إلا و حركت ملكة الإبداع و الخيال في قرارة نفسي ، يثملُ عقلي بأحلام اليقظة و يغوص في عالم المُتمنيات .
ها أنا أشاهد نفسي ببذلة الـ  Calvin Klein الفضية و هي تلمع علي ، أجلس رفقة فتاتي الفاتنة  في طاولة الشرف بأفخم فنادق المدينة ، عيناها مُسمرتان على وجهي لا تكاد تنزعهما ، أرتدي حذاء من نوع Cole Haan ، و أضع عطر الـ Fahrenheit Dior ، نسج الحب خيوطه الوردية بين قلبينا ، أصبحتُ  لب  فؤادها  و هي ريحانة القلبِ  .
كانت الأجواء رومانسية تحت إيقاع المطر وهو يلامس الزجاج .
 قلتُ لها بلهجة الواثق من نفسِه:   " هل تعلمين اسم الهدايا  في ' عالم الحُب ' يا سُكرتي ؟ "
قالت بصوت خافت تمنيتُ ألا يتوقف تردد ذبذباته في أذني :  " لا يا حبيبي .. ما اسمها اذا ؟ "
 أخذ قلبي يرقصُ فرحا لأن الفرصة ملائمة لأستعرض بعض العضلات الفكرية و لأستظهر عليها ما في رأسي من بقايا الكُتب ..
 قلتُ بصوت هادئ و ابتسامة جانبية لا تفارق ثغري :  " تسمى الهدايا عندهم .. ألغام الغرام "
التفتُ الى اليسار لأرمق المطر من وراء الزجاج ، رأيتُ فقيرا يفترِشُ الأرض و يلتحِف السماء ، يرتدي قطع قُماش بالية .
 زفرتُ بحنق قائلا  :" هؤلاء المتشردون المساكين " .
 قمتُ في عرض بطيء و بطولي من على الكُرسي و غادرتُ المقهى تُجاه المُتشرد المُنكمِش تحت سقف بناية قديمة  ، أخرجتُ من محفظتي الجلدية ماركة club rivera ورقة نقدية من فئة مائة دِرهم ، كُنتُ أسترق النظر إلى الأنيقة خلف الزُجاج وهي ترمقني من بعيد و النصر يضرب بين أضلعي ، لعلها تقول الآن " يا لهُ من رجل نبيل ! " .
  التفتُ نحوها بكُليتي و أشرت إليها بالخروج من المطعم لنقف معا تحت المطر ، تقدمتْ نحوي بقامتها الرشيقة و هي تحملُ كوب قهوة يتصاعد بخاره نحو السماء ، كأنها سُلطانة عُثمانية تقِف أمامي الآن ، مررتُ أطراف أصابعي على وجنتيها ، و ببطء أنزلتها إلى شفتها السفلى ثم أحطت بأكفي الرطبة يديها الممسكتان بالكوب ، كانت دافِئة جدا ،  قدمتُ رأسي لأرتشف رشفة من كوب قهوتها و نحن واقفان تحت المطر ، وضعتُ شفتي على حافة الكأس و بدأت في محاولة رومانسية  لرشف القهوة .
فجأة وجدتُ الناس تنظُر إلي و أنا أحمِل كوب قهوة فارغ ، طلبتُهُ منذ أربع ساعات و أحاول ارتشاف الفراغ فيه ، وجدتُ نفسي على الطاولة وحيدا في ' كافيتريا ' الجامعة  ، أدركتُ أن ما عشته قبل لحظات مجرد مشهد مُعتاد من أحلام الطالب الجامعي الوردية ، حملتُ كُتبي و مجموعة أوراقي و غادرتُ المكان لأجل مجابهة الواقع المرير.

العمل الفائز بالمرتبة الثانية :

بقلم : سعيد حجي

مساء الخير أيها الليليون .. مساء الخير أيها الحظ التعيس، مساء الخير أيتها الأقحوانة الجاثمة على نافذة الشرفة .. يكتب اليكم في الليلة الواحدة بعد الألف : بعينين مسمرتين على مذياع قديم من نوع ترانزيستور بركن غرفة يجشأ أصوات الساهرين ، جالس القرفصاء ، ينقر أصابعه فوق أوراق تتراقص على إيقاع أغنية "يا مسهرني" لأم كلثوم ...
 يتأمل نور السراج يتلألأ باحثا عن فجوة في الأفق ليمضي الى المجهول مكسرا كل حواجز اللانهاية مخترقا قطعة من الكون يلفحها سكون حارق، جمجمته يملؤها الفراغ تتمايل مع حركات الشرود ، أفكار مبعثرة تتدبق في خيال ميتافزيقي عن معنى الوجود واللاوجود ، عن البقاء والرحيل ، عن الحضور والغياب.. لافائدة ، هذه اللحظة أيضا تافهة انها تتكرر منذ عشر سنوات دون لون و دون ظل في هذه الغرفة الصدئة المطلية بصمت مثلوج، التي ينسج العنكبوت خيوطه في زواياها ...
وفجأة سمع الرجل صرير الباب ينفتح ببطء دون سابق انذار، بقي  مسمرا في مكانه تعلو ملامح الدهشة والحيرة ؟؟ من يفتح باب غرفته في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟ حركات الأقدام تقترب منه رويدا رويدا تستبقها رائحة عطر بابلي، أعادته الى زمن خارج زمانه والى حياة خارج حياته ...
 يقترب الشخص الغريب أكثر لتنقشع ملامحها الانثوية .. لم يكن الغريب سوى امراءة شقراء، بعينين جميلتين  قرمزيتين، ذات الشال المنمق التي تزوره كل ليلة ... لكن الليلة كانت مختلفة تماما كانت عروسا حسناءا، لم يسبق لها أن تأخرت الى ما وراء منتصف الليل، بل كانت امراءة تحمل جمالا اغريقيا لم يلحظه من قبل ...في هذه اللحظة بالضبط ولأول مرة منذ عشر سنوات تحضره أسئلة فلسفية ليطرحها عن نفسه في دهشة عن معنى الجمال واللاجمال عن الحياة واللاحياة عن الوجود واللاوجود .... ؟  بينما هو على حاله :
- استأذَنَتْه ، هل أجلس بجانبك يا سيدي ؟
-يُجِيبها في رعشة : نعم تفضلي سيدتي ( مردفا كلامه ) لماذا تأخرتي الليلة ؟ ومن أين لك كل هذا الحسن و ... ؟
-تقطع سؤاله لتجيبه بكل غنجها ودلالها وفي عينيها رقراق من الدموع : انا عروسة الليلة ياسيدي و جئت .... ؟
-(يقطع كلامها ويقفز من مكانه بكل قواه  صارخا في وجهها حتى خيل اليه أن حبال صوته قد تمزقت :  عروسة ؟ ممن ..؟  الا تعلمين أنني أحبــ ..؟
لم يتمم الرجل كلمته الاخيرة حتى لمح أمامه فراغا يمضي الى المجهول ... استفاق من هلوسته المعتادة على هذه الجمل التي كانت اخر كلمات يسمعها من "فاطمة" منذ عشر سنوات قبل أن يصاب بالجنون ليلتجأ الى هذه الغرفة معتكفا على صورة جلبابها المعلق في ركن بيتِه المظلم المؤرخ لذكرى انتحارها في ليلة زواجها القسري من ابن عمها، شريط يتكرر مع "المعطي" كل ليلة منذ عشر سنوات ..

إرسال تعليق

 
Top