0

د. محمد حماس 

يبدو أن الحديث عن وضع مرفق عمومي ما، وبالخصوص طريقة تدبيره، لم يعد يحظى باهتمام أية جهة من أجل الوقوف على ملابسات التدبير والتصرف في المال العام وما يرتبط بها من شأن عام، والسبب حسب رأيي المتواضع هو تلك النظرة البائدة للملك العام. صحيح أن هناك افتحاصا وتقصيا ومتابعة عن كثب، لكن دون أن ترقى لمستوى الزجر، ولنا في عدد من الصناديق خير دليل وكذا العديد من المسؤولين الذين لم تتم متابعتهم بسبب الإخلال بالواجب، لأنه من دون حضور القاربة الثقافية لأية عملية بقطاع التربية والتعليم سيكون وضع المنظومة كمن يصب الماء في الرمل. وكل منظومة لا تراهن على الثقافة لن تعرف طريقها للتنمية.
من هنا يمكن الحديث عن المسؤول وطبيعته، باعتبار أن المجتمع المغربي عرف تحولات بنيوية عميقة، خاصة بعد دستور 2011، وهي تحولات اتجهت نحو استئصال الطبقة الوسطى التي ظلت تحافظ على تلك التوازنات السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع لأنها تمثل الفئة المتعلمة والتي تلعب دور المثقف العضوي داخل هذا المجتمع، وبالتالي لابد من ملاحظة الخلل والفراغ الذي أفرزه هذا الوضع، وهو حتما وضع غير طبيعي ستنقرض معه العديد من القيم، منها الانخراط الإيجابي في عملية بناء دولة المؤسسات.
وحتى لا نغرق في التنظير نضرب مثلا بقطاع التعليم والمسؤول بهذا القطاع، وبشكل أخص المسؤول بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، إذ يتجلى عدم الاكتراث بما هو تربوي وما هو ثقافي، حيث نتساءل عن كم العمليات المنجزة في الشق التربوي لنجدها لا تراوح بعض الأنشطة المتفرقة هنا وهناك تقوم بالأساس على العمل التطوعي من طرف عناصر هيئة التدريس بالمؤسسات التعليمية وفق إمكانيات ذاتية أو تفاعل لعدد من الشركاء والمتعاونين مثل جمعيات الآباء وجمعية تنمية التعاون المدرسي، فأين نحن من برنامج أو مخطط عمل قريب ومتوسط وبعيد المدى يجعل الحياة المدرسية ضمن الأولويات، لأن المسؤول الفاشل لا يدرك هذه القيمة التي يمكن أن تضطلع بها المؤسسة التعليمية، فأكبر فكرة تصبح أتفه فكرة عندما تمر في عقل صغير. فوثيقة “رؤية استراتيجية”، وإن كانت لا تعدو الكلام الفضفاض البعيد عن واقع الحالـ تتحدث عن “التربية على القيم في بعديها الوطني والكوني، وفي التعليم والتعلم، وفي التكوين والتأطير، وفي البحث والابتكار، وفي التأهيل وتيسير الاندماج الاجتماعي …”(الويقة، ص5)، وهو كلام جميل أشك في أنه سيغادر مجال الورقة المكتوب عليها ليبقى مجرد حبر، وهنا يكمن بيت القصيد لنخلص لسؤال إشكالي: من سيجعل المكتوب على الورق واقعا يتبلور لترتقي به المنظومة ويتحقق المراد من المدرسة العمومية .. الأمر يا صديقي لا يتعلق بنظرة عدمية ورفض لكل مبادرة، لكن التجربة علمتنا أن نأخذ الأمور بخواتمها، وكل مشروع أسقط على التعليم ببلادنا لم يزهر ولم يثمر لأنه لم يبرح الورق، وتنزيل مشروع “رؤية استراتيجية” يسير في ذات السياق.
وتبقى أكاديمية جهة الشرق، بحكم الانتماء إليها والعمل بها، نموذجا صارخا لهذه النظرة عن واقع الحياة المدرسية التي تحضر بشكل محتشم، علما أن كل عملية تهم قطاع التعليم يجب أن تكون أرضيتها تربوية. ما هي الميزانية المرصودة للمكتبات المدرسية؟ ما هي الميزانية المعتمدة للتظاهرات التربوية؟ كم عدد التظاهرات التربوية الكبرى التي تبنتها أكاديمية جهة الشرق؟ كم عدد المشاركات التربوية في التظاهرات الدولية؟ أليس العالم قرية صغيرة؟ ما جدوى القاعات الصماء؟ كم كتابا تقتنيه الأكاديمية كل سنة كما كان يحدث في عهد قريب؟ ما هي حصيلة المسؤول الجهوي على مستوى التنقل والمتابعة بتراب الأكاديمية لدعم ومؤازرة مبادرات المؤسسات التربوية؟
هذه هي المقاربة الثقافية التي نود الحديث عنها. أو ليس غريبا وعجيبا أن لا يتم استثمار وتوظيف أطر هيئة التدريس الحاصلين على شهادات عليا بمختلف تخصصاتهم بدل إغراقهم وسط كومة المراسلات وورقات الإرسال؟ واستثمار جهود هيئة التدريس من ذوي التجارب وال قدرات على الخلق لإنهم رأس مال المنظومة .. لكن للأسف يتم دفعه للاحتضار.(يتبع)

إرسال تعليق

 
Top