0
آمنة بنشينش

عصرنا عصر الشيوخ بامتياز ، شيوخ يتراوح سنهم ما بين الثامنة عشر و الأربعين سنة .. لك أن تتخيل الصورة ، فهم بأبهى حلة يرتادون المقاهي الشعبية وهم يضعون ساعات DW المقلدة .. ينكبون على كأس الشاي الذي صار صقيعا من شدة الأخذ و الرد بحيث انهم بالكاد يضعونهم على شفاههم الزرقاء لونها من كثرة استعمال "طابة" حتى يرجعونه الى مكانه تهربا من دفع ثمن "براد" آخر.

تفوح منهم عطور boss و Arenas كأنهم اتفقوا سلفا على عطور موحدة ..امتزجت بلفحات الدخان لتشكل في الاخير رائحة خاصة تميز أماكن كهاته ، ملاجئ الشيوخ الشباب .. ملاجئا صارت بوثقة امتزج فيها الصالح بالطالح .. الضار بالنافع .. الفاسد بالقويم ... لكن ، وعلى كل حال فهي متنفسهم الوحيد وحلبتهم للعراك أثناء مباريات كرة القدم ..فشيوخنا الشباب يجدون نشوة لا تضاهى أثناء الصراع حول "البارسا" و "الريال" وأيهما أفضل وأروع أهو "ليونيل ميسي" ام صديقه في الحرفة " كريستيانو رونالدو " ..لا ينفكون يصنعون "الطرولات" بغيظ .. شتما و قدحا واهانة لبعضهم البعض ، عشقوا اللاعبين حد التقديس ، حد تبادل اللكمات والركلات ..حد وضع خط احمر لأقوى الصداقات ..بل تجاوزوها إلى حد تكسير المقاهي والحافلات بلا وعي ولا ادراك ودون أدنى حس بالمسؤولية .
شيوخنا الشباب صاروا كراكيز تحركهم اياد خفية تدعى وسائل الاعلام ..ساهموا هم بأنفسهم في بسط سيطرتها وتنويمهم مغناطيسيا ..انهم بحاجة ملحة لمن ينقذهم من بطشها وجبروتها ..حقا انهم في حاجة الى ثورة وعي !

و ماذا عن نصف المجتمع الآخر، "عجوزاتنا الشابات"، المتلهفات والملاحقات لآخر صيحات الموضة و دور الأزياء، المقلدات "لشاكيرا" و "بيونصيه" واللواتي لا يقرأن سوى لابراهيم الفقي و احلام مستغانمي في محاولة بائسة ليظهرن بمظهر المثقفات . متابعات لسعد المجرد على الفايسبوك ويحلمن ان يتزوجهن الدوزي !!

عجوزاتنا الشابات فارغة عقولهن كقوالب النخل، لا علم يمتلكن بعضا من  قشوره ولا لغات ، تكفيهن كلمات من قبيل ça va و moi fati de ... تعلمنها من الشاط ، سائرات نحو هدف مجهول دون ان توقفهن أغنية " وا فين غادي بيا خويا فين غادي بيا " لناس الغيوان . 
يجلسن قبالة المرايا لساعات وهن يتغزلن بجمالهن الذي تملؤه الالوان ،عيون "maybelline" وخدود "mac" و شفاه "kelly" .. وجوه مزخرفة تجتاحها الفوضى كلوحة لرسام فاشل لا يهمه سوى دمج الألوان ، يطلين أظافرهن بألوان تشبه السترات الليلية لرجال الدرك على الطريق السيار ، تلفت الانتباه من على بعد مئات الامتار ، يفعلن ذلك و هم في غمرة مشاهدتهن للدراما التركية ، يتغزلن بوسامة مهند وشهامة عمر و كاريزما كمال ، ليرتمين بعدها على السرير حالمات بأمير لا يمت واقعهن بصلة ، أمير يأتي إليهن على صهوة حصان أبيض حاملا معه حذاء السندريلا الزجاجي ليأخدهن بعد ذلك إلى قصر يعشن فيه أميرات .

أزمتنا الكبرى ليست أزمة اقتصادية ، فاجعتنا العظمى هي غياب الوعي و الجهل والانسياق وراء افكار سامة ومغلوطة سربت اليها وابتلعناها دون أن ندري فصرنا أشخاصا آخرين غير أولئك اللذين كان من المفترض منا أن نكون .صرنا نعشق الكسل والخمول وكل ما هو جاهز ، صرنا نكره العمل والجد والكد والاستيقاظ المبكر ، صرنا ننساق وراء كل ما هو لامع و ملفت للأنظار ..
اتبعنا القطيع حتى صرنا نحن القطيع وهم الراعي ..إننا نسير بخطى ثابثة نحو الدمار !!

إرسال تعليق

 
Top