0

د. محمد حماس 


المخزن بين الثقافتين، السياسية والشعبية
. يتساءل الباحث عبد الله حمودي: كيف نفسر موقف أغلبية شعبية خاضعة للحرمان تبدو راضية رغم ذلك؟
. علاقات يحكمها مفهوم "عقلية العبيد" و"عقلية الإنسان المقهور"، أو "الأخلاق الكلبية"

يمكن اعتبار الثقافة الشعبية نتاج مجتمع وقاسما مشتركا بين أفراده، وهي تحمل علامات هوية هذا المجتمع وخصوصياته ومعاناته وأفراحه وتلاحمه وتطلعاته .. وتقابلها الثقافة السياسية التي تنتجها النخبة السياسية Elites، بالمفهوم السوسيولوجي للكلمة، فهي تكتب تاريخها وترغم الآخر على تقبله وتحرمه من البوح بعذاباته ومعاناته، لكن ذلك لن يجدي نفعا ما دامت الثقافة الشعبية منتوج كل هذا الحراك  .. والثقافة الشعبية تاريخ غير مكتوب ينتجه المجتمع ذاته، أفرادا أو جماعات، فلا يمكن نسبته لشخص بعينه، لأنه منتوج جماعي يتم تداوله على شكل قصص وحكايات وحجايات ونكت وحكم ومواعظ وطقوس وتقاليد ورموز .. فتصبح بذلك الثقافة الشعبية تراثا محفوظا في الذاكرة ينتقل من جيل لآخر، وهنا تكمن قوته. ومن عناصر قوة الثقافة الشعبية، أيضا، قوة انتشارها، وتتيح استعمالها بأشكال متعددة تحتفظ بالجوهر وتخضع للإضافات أو الحذف لكنها تستمر وتمتد عبر الزمن، وهي بذلك سجل تاريخي للوقائع والأحداث من أفراح وأتراح يمر بها المجتمع.
لهذا، ومهما سجلت مصادر التاريخ من معطيات، تبقى ذات نقصان ومفتقدة لكثير من المصداقية، باعتبارها سجلا يدون محطات الحاكمين والمنتصرين، بحيث يكون المؤرخ رهينة بين يدي صاحب السلطان. لهذا نجد المنتوج الشعبي يسجل الوقائع بكل صدق رغم كل الإكراهات التي قد تعترض مسيرته، من قمع واستلاب وقهر .. الإنتاج يستمر في صمت وعبر الهمس، فيبدع العديد من الأساليب لحفظ الذاكرة الشعبية لتنتقل جيلا بعد جيل، رغم ما تعرفه المادة التاريخية والتراثية من زيادة أو نقص دون إخلال بالجوهر. تنتقل المعلومة وتستمر عبر الحقب التاريخية محافظة على الخصوصية المحلية والمشترك الإنساني، وهذه ميزة أخرى للثقافة الشعبية التي تخترق حدود المحلي نحو الإنساني، فنجد العديد من العادات والطقوس والإنتاجات الأدبية مشتركة بين شعوب العالم، فينشأ ذلك التفاعل حول عدد من القضايا ذات الطابع الإنساني على شكل تضامن وتلاحم وتفاعل وو...... من هذا المنطلق، ومع تطور عدد من العلوم الإنسانية، أضحى الاهتمام بالمادة التراثية أحد أساسيات البحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي والنفسي.
لكن يبقى الإسهاب في الحديث عن "منافسة" الثقافة الشعبية للثقافة السياسية قائما مادام الصراع غير متكافئ، لدرجة أنه في كثير من الأحيان يبدو أن لا صراع هناك، حيث ترجح كفة السياسي الذي يمتلك وسائل الإنتاج والسلطة ورجلات يتموقعون داخل دواليب "الدولة"، حتى لا نقول المؤسسات، فيتحكمون في كل صغيرة وكبيرة ويديرون اللعبة بالشكل الذي يخدم مصالحهم، ويبقى الشعب مفعولا به في جميع السياسات المنتهجة، اعتبارا لمقولة المخزن السائدة بالمغرب، ومفردة مخزن، هنا، لم تعد تحمل ذلك المعنى العشوائي القدحي للدلالة على الهيمنة والقمع وما إلا ذلك من المفاهيم، بقدر ما هي صفة لمؤسسة قائمة وفق شروط وخيارات توافق العصر ولها أجندة دقيقة يصنعها خبراء في مجالات مختلفة، وبالتالي فلا يمكن التفاعل مع هذه الصفة بعبثية.
وللحديث عن مفهوم المخزن، لابأس من استرجاع بعض من الملامح التاريخية لنشأته، فكلمة مخزن أطلقت في بلاد المغرب على "هيئة إدارية وتراتيب اجتماعية، وعلى سلوك ومراسم، أو بعبارة جامعة، كان المخزن سيفا وقلما نما وتطور في كل دولة وإمارة" (1).
ويعرف إينياسيو راموني Ignacio Ramonet، المخزن، كونه البنية السياسية والإدارية التي يتكئ عليها النظام المغربي، من خلال الإذعان والطقوس والاحتفالات والأعراف عبر رؤية محددة للسلطة تتحكم في مجموع النخبة السياسية (2)، هذا إن وجدت هذه النخب كما تناولها بيير بورديو وماكس فيبر وغيرهما من السوسيولوجيين.
يمكن توزيع المخزن إلى جماعات ثلاث، حسب المفكر المغربي عبد الله العروي، مختلفة من حيث حجمها وقوة نفوذها: هناك جماعة ضيقة لا تتجاوز شخصين أو ثلاثة أشخاص (وزير أو حاجب)، بيدهم فعل تسيير الدولة داخليا وخارجيا، وكان يظفر بهذا المنصب أصحاب النفوذ والأوفياء للأمير، من وصفان وموالي ومن كان يتقن صناعة ولا يشكل خطرا على السلطة.
ثم جماعة ثانية، تتكون من أولائك الذين يتولون تذييع سياسة الدولة بين الناس وترجمتها إلى لغة رسمية مضبوطة، وهم الكتاب في الدواوين.
أما الجماعة الثالثة، فهي التي تتولى تنفيذ الأوامر وإعداد الوسائل المالية والعسكرية، وهي مكونة، في الغالب، من أصحاب الأعمال، فكانت مسؤوليتهم مزدوجة، جبائية وعسكرية، فالمسؤولية العسكرية تقتضي استخلاص الضرائب والجبايات على شكل عشور تؤخذ عينا لتمويل "حَرْكَاتْ" الجيش السلطاني، ومن هنا اشتقت كلمة مخزن.
     إن هذا التقسيم اجتماعي أكثر منه قانوني، فالسلطة يتم ممارستها وفق شروط ثلاثة: الوزارة التي تخطط، والكتابة التي تبين وتعلن، والأشغال التي تنفذ. هذه الوظائف هي التي تحدد هوية المخزن. ثم مع توالي الممالك، اتخذ الملك رونقا وبهاء (3)، وتحول إلى "شارات وأحوال تقتضيها الأبهة" (4)
    هكذا ابتعد المخزن عن المجتمع وجمع حوله مجموعات معينة أهمها: الوصفان والموالي، ثم الأعراب الهلاليون والمهاجرون الأندلسيون، وهي المجموعات التي شكلت المعضلات الثلاث: الجباية والجيش والإدارة.
لقد تخصص الهلاليون في أمور الجيش و السيف، وتولى الأندلسيون المهاجرون القلم وتدبير الشأن الإداري.
غير أن الباحث الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي ينطلق من سؤال جوهري، هو كيف نفسر موقف أغلبية شعبية خاضعة للحرمان تبدو راضية رغم ذلك؟ (5) فالأمر لا يبدو ناتجا عن القمع فقط، إذ يمكن أن ينضاف  إليه رسوخ العديد من المعتقدات، حسب عبد الله حمودي، كالسعي الدائم وراء التقرب من السلطة للظفر بالنعم واعتبار الروحانية التي تسم المركز الموزع لهذه السلطة، وفي هذا إحالة على مفهوم "عقلية العبيد" و"عقلية الإنسان المقهور"، أو "الأخلاق الكلبية"، فالعبد يسعى دائما نحو رضا سيده، والمريد داخل الزاوية لرضا شيخ طريقته، ومنها إلى الولاءات داخل الأحزاب (فالزعيم داخل حزب ما يبقى زعيما إلى أن يلقى ربه)، وبين الأفراد وفي ما بين دولة و أخرى. هذه الثنائيات إذن، هي التي تنبني عليها العلاقات داخل المجتمع المغربي الحديث والتي تطال جميع المؤسسات (المؤسسة بمفهومها القائم، لأنه ليس هناك مؤسسات ناتجة عن ممارسة حرية الاختيار بما في ذلك مؤسسة الأسرة). إذن هناك اعتبار للروحانية التي تسم القائم على هذه السلطة والفئات المحرومة، يستطرد عبد الله حمودي في استغراب، كيف لها أن تصبر على الحرمان أملا في تحسن خارق لأوضاعها رغم خيبات الأمل التي ظلت تجترها منذ أمد البعيد؟ ومن خلال مقاربة عكسية لهذا الخضوع والخنوع يشير صاحب "الشيخ والمريد" إلى ثورة الغضب التي تنتاب هذه الفئات المحرومة بين الحين والآخر على شكل مظاهرات أو انتفاضات تواجه في الغالب بالقمع والتغييب والسجن والدم، والأمثلة لا حصر لها.

------
الهوامش:
1)      عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب. ط1/2007. المركز الثقافي العربي/الدار البيضاء. ج2. الفصل9: نظم الدولة في بلاد المغرب. ص369)
2)      Ignacio Ramonet : « la structure politico-administrative sur laquelle repose le pouvoir au Maroc, faite de soumission, de rituels, de cérémonies, de traditions; une conception spécifique de l’autorité qui imprègne l’ensemble de la classe politique et dont la pièce maîtresse est le roi ». le Monde diplomatique, juillet 2000.
3)      الناصري، الاستقصا، ج3
4)   عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ص. 456
5)      عبد الله حمودي : الشيخ و المريد. النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد الحميد جحفة. الطبعة الأولى 2000 ضمن سلسلة المعرفة الاجتماعية. دار تبقال لنشر، ص. 35-36



إرسال تعليق

 
Top