0

امنة بنشينش / تاوريرت 24

تعاني مجتمعاتنا من مشاكل فهم عديدة أو بالأحرى نفهم الشيء الذي نريد على النحو الذي نريد ونطلق عليه الأحكام التي نريد والجحيم للبقية !
نتصرف بأنانية و تعجرف من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيدا ، و لعل أبرز ما نفصله و نخيطه حسب قياساتنا و أهوائنا هي ما أطلق عليه ب "فتن" ، أجل إنها الفتن.. فقد وضعنا تصنيفات و تقسيمات للفتن فصارت فتن مباحة و أخرى مستحبة بينما أخرى جزمنا أنها أشد من القتل .
فلا حرج بالنسبة لدينا أن نشاهد طفلا في عمر الزهور يتجول بين حاويات الأزبال باحثا عما يسد رمقه و يطفئ جوعه ، أو يبكي متوسلا أحد أصحاب المطاعم سائلا إياه عن بقايا الطعام الذي تناوله بعض الأثرياء قبل قليل و دفعوا ثمنه باهضا في حين أنهم تناول فقط القليل ، بل ولا بأس أن نشاهد صاحب المطعم يركله و يرفسه بقسوة طالبا منه الابتعاد عن مطعمه دون أن ننبس بشفة ،لكن ..ماذا إن نحن رأينا أحدهم يتناول الطعام ظهيرة أحد أيام رمضان ؟ اللعنة ثم اللعنة إنها الفتنة فلنركله و نعفسه ، كيف يتجرؤ على خدش مشاعرنا و عدم احترامنا نحن الصائمون . طبعا دون نتساءل طبعا إن كان هذا الشخص مريضا أو فتاة لها عذر شرعي ، أو أجنبي ، أو حتى ابن البلد و لا يريد أن يصوم ..مهما يكن!
أ ليست فتنة الافطار نهار رمضان أهون من ترك طفل صغير يموت جوعا و قهرا؟ أ لهذه الدرجة " رجعنا دراري ..رجعنا خفاف" بحيث نشاهد زوجا يعنف زوجته و يمطرها بوابل سباب أمام الملأ لا لشيء سوى أنها أحرقت طعامه ، فنتلذذ بالمشهد و نطلق على هذا الشجاع المغوار لقب " رجل " و أنها " مادايراهش خاتم فاصبعها و ماموكلاهش مخ الضبع" .. بينما إن نحن شاهدنا من يمسك يد زوجته أو ربما يتبادلان القبل في الشارع العام فتلك فتنة و لعن الله من أيقظها .
إنه لمن المخجل أن نكون أمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نحن نصير المنكر معروفا كلما سنحت الفرصة ! أن نكون خير أمة أخرجت للناس بحيث أن سيدنا عمر رضي الله عنه أمر ينثر القمح على الجبال كي لا يقال مات طير جوعا في بلاد المسلمين ، و العديد من أطفالنا و نسائنا و شيوخنا بل و حتى شبابنا لا زالوا يجوبون الشوارع بحثا عن بقايا الطعام كي لا يموتوا جوعا و قد جعلوا من كرامتهم في الأراضي في سبيل البقاء على قيد الحياة ، بينما أولياءهم يأكلون ببذخ و إسراف ، يلتهمون في وجبة واحدة ما يكفي ليعيل أسرة لمدة شهر !
إنه لمن المؤسف أن نهتم بما ارتدته تلك الفتاة من ملابس قصيرة و خادشة للحياء أكثر مما نهتم بهؤلاء اللذين لا يجدون شيئا يستر عوراتهم ، أولئك اللذين يبيتون في العراء دون مأوى يحميهم من حر الصيف و برد الشتاء و بطش الوحوش البشرية .
أموالنا لو لا تصرف في التفاهات و على الفنانين و الفنانات و بريستيج البنايات ، لغيرت الكثير ، لوفرت مطالب العيش الكريم للعديد ممن لا حول لهم و لا قوة في ظل بلدان الديمقراطية و العدالة الاجتماعية .

إرسال تعليق

 
Top